الرئيسية  /  أخبار

نحو تكوين الأمة السورية .. بقلم : عفيف دلا .. ( مقال في غاية الأهمية )


دام برس : نحو تكوين الأمة السورية .. بقلم : عفيف دلا .. ( مقال في غاية الأهمية )

دام برس
ألم يحن وقت المواجهة بعد ؟؟؟ المواجهة مع أنفسنا .. نحن أصحاب الأرض والحضارات والرسالات السماوية والعلوم الدنيوية ... نحن الذين كتبنا التاريخ يوماً وأدار ظهره لنا لاحقاً بعد أن أنكرنا أهميته وخرجنا من دائرته، بعد أن جعلناه متكئاً للقعود ومهرباً من استحقاقات الحاضر والمستقبل ... نحن الذين لا نعرف من الأزمنة إلا الماضي منها فلا نضارع حاضرها ولا نعبأ بمستقبلها ... نحن من بتنا نجيد الاجترار ونمجد من يجتر فينا أكثر فنخلع عليه ألقاب العلم والسماحة والقداسة والتفكير والتحليل....الخ دون أن يفلح كل هؤلاء في التعاطي مع المستقبل فهم نخب في تمجيد الماضي وبهرجته وطليعة في الكلام دون الفعل، فعبثاً أحاول فهمهم عندما أجد نفسي ابن حضارة يدعون أنها كتبت التاريخ وابن أمة صنعت الأمجاد ولا أجد هذه الأمة عندما أحاول أن أبحث عنها بين الأمم اليوم ، فإما أجد نفسي مضطراً لأن أجتر الماضي وأتقوقع فيه أو أن أتمرد على حاضري وأسكن الفراغ وأنتمي إلى ذاتي فقط.
لماذا لم تستطع أمتي العربية تحقيق ذاتها عبر هذي السنين الطويلة ؟؟؟ سؤال أجد نفسي مضطراً لإعادة طرحه اليوم وأنا أعيش مرحلة من الفصام في شخصيتي العربية التي أنتمي إليها فكرياً ولا أجدها واقعياً، لا بل أجد نفسي أمام من يدفعني إلى الانتحار القومي عندما تصبح إسرائيل بعد أربع وستين عاماً من احتلال الأرض وقتل الإنسان صديقاً وعندما تصبح سورية بعد ما يقرب من مئة عام من مقارعة الاستعمار التركي والأوروبي ومقاومة المشروع الصهيوني عدواً، وعندما يصبح الإسلام بعد ألف وأربعمائة عام مئات بل آلاف المذاهب والطرائق والأحزاب والحركات والتيارات والمنظمات المتضادة ويصبح المسلم عدو المسلم الناطق بالشهادتين لمجرد الاختلاف بالمذهب أو نتيجة فتوى أحد المتمشيخين ضاربين عرض الحائط بقرآن محمد وسنّته ...
إن أسباب ودوافع الإخفاق في تكوين الأمة العربية كثيرة لن أقوم بعرضها في معرض حديثي لغاية التكثيف الفكري والتركيز على فكرة المقال وهي تكوين الأمة السورية... لكنني أجد من المهم تبيان سبب توقيت هذا الطرح في هذه المرحلة التاريخية بالذات والمقصود بالأمة السورية بالتحديد...فأنا هنا لا أنطلق من دوافع عاطفية ولا براغماتية وإنما وعياً لضرورة الحالة الوطنية والقومية التي باتت تواجه اليوم لحظة مصيرية فإما أن تكون أو لا تكون فليست القضية اليوم في بقاء الفكرة القومية فقط و لا يجب أن نجعل هدفنا هو الإبقاء على الفكرة القومية كفكرة بمعنى أن نتحدث عنها ونمجدها كما اعتدنا في تعاطينا مع ماضينا التليد فبقاؤها وعلى الرغم من أهميته غير كاف لتحقيقها كواقع ملموس والقضية الفلسطينية خير دليل على الفرق بين بقاء الفكرة وبلورتها على الأرض، ولذلك نقول اليوم أن الحالة القومية تواجه لحظة مصيرية تتطلب ليس فقط الإبقاء عليها كفكرة بل بلورتها بمشروع نهضوي حقيقي ينقل المشروع القومي من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم ومن وضع الخمول إلى وضع الفاعلية ومن موقع الانفعال إلى موقع الفعل الحضاري الإنساني بكل مرتسماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإذا ما اتفقنا جدلاً على ما قلناه وأقررنا بضرورة تكثيف الحالة القومية وبلورتها بمشروع ينقذها من الموت يكون السؤال هنا: كيف نحقق ذلك فعلياً ومن أين نبدأ ؟
إن الإجابة على هذا السؤال ليست صعبة أو معقدة بقدر ما تتطلب تجرداً من بعض الاعتبارات التي أعطيت مرتبة الأولوية على حساب اعتبارات أخرى بمعنى أن نعيد اليوم ترتيب أولوياتنا وفق ما نتوخاه من نتائج وينسجم مع معطيات الواقع وليس وفق ما ينسجم وأدبياتنا القومية فقط أي أن نقر بحقيقة أن الحالة القومية لم تعد موجودة إلا في سورية على المستوى الرسمي والشعبي وبالتالي لم يعد هناك من مرتكز للمشروع القومي غير سورية ولذلك لا بد من أن تكون هي مبتدأ المشروع القومي الجديد لكن وفق اعتبارات جديدة أساسها عدم الوقوع في خطأ تبني مشروع لا تمسك أطرافه بالكامل فكم دفعنا ثمن التعويل على أنظمة عربية ارتبطت كلياً بالمشروع الصهيوني فالفرز اليوم بات جلياً ومحاولات التسوية لإعادة العلاقات العربية إلى سابق عهدها وكأن شيئاً لم يكن سيزيد من ضعف الأمة العربية لأن هذا لن يغير في حقيقة أن مشيخات الخليج وباقي الأنظمة المركبة بفعل " الربيع الصهيوأمريكي" في منطقتنا العربية هي عبارة عن ورم سرطاني خبيث سيودي بحياة الأمة إن لم يتم اجتثاثه بالمطلق فمحاولات التجميل لوجه النظام الرسمي العربي القبيح لم تعد ممكنة وتلطيف عبارات التشخيص لواقع التشرذم العربي بأنها خلافات تحتاج إدارة لا تنفع اليوم أبداً لأن دم الشعب السوري بات اليوم الفيصل بيننا وبينهم ...
وبعد وضوح ملامح النصر السوري في حربه الكونية التي خاضها ضد أعتى القوى الظلامية في العالم، وبعد ولادة منظومة قوى عالمية جديدة من رحم الحرب الكونية مع سورية، بات من المهم التفكير ملياً بطبيعة المرحلة التاريخية المقبلة سواء لناحية بلورة النصر السوري على المستوى الداخلي أو لناحية توظيف التغير الدولي الحاصل في تعظيم حجم سورية الإقليمي والدولي وزيادة ثقلها السياسي والإقتصادي في هذا العالم....
هذا الأمر ليس استباقاً للأحداث ولا قفزاً فوق النتائج المقبلة لما بعد انتهاء الحرب ولا شططاً فوق عتبات زمن لم يحن دور مجيئها ... بل هو الضرورة بعينها والتي يزداد إلحاحها نتيجة الحاجة إلى توظيف مفرزات الأزمة الإيجابية في تشكيل قاعدة للإنطلاق نحو المستقبل من جهة والوقوف أمام المفرزات السلبية ومعالجتها واقصد بالمعالجة هنا الحل المستدام التي يتعامل مع السبب قبل النتيجة ويضمن قدر الإمكان عدم ظهور هذه المفرزات مستقبلاً ..
هنا ومن هذا المنطلق وفي ظل ما رأيناه على الساحة السورية من عوامل قوة ظهرت منها ما كان معروفاً مسبقاً ومنها ما كان مستتراً وأظهرته دواعي المرحلة على السطح وفي ظل الواقع العربي الذي لطالما عرفناه لكننا لم نعترف بحقيقة قبحه وحيث أن هذا الواقع يشكل شئنا أم أبينا العمق الاستراتيجي لسورية على المستوى الجيوسياسي وعلى المستوى الإيديولوجي القومي وفي ظل تغيرات دولية تزداد بلورة لا بد من الاستفادة منها بما ينعكس على تعظيم حجم سورية ودورها على المستوى الإقليمي والدولي، كان لابد من طرح مشروع يحقق ذلك يتجاوز شعارات النصر والتهليل التي نحبها لكنها لا تقضي على عدو وتتجاوز الأمنيات التي تحتل هواجسنا دون أن تصبح واقعاً وتفوق الكلام السياسي الاستهلاكي الذي يشعبنا دون أن يغذينا هذا المشروع هو ما يمكن أن ينطلق من طرح أيديولوجي جديد على القاموس السوري يأخذ المرحلة ومفرزاتها بعين الاعتبار فعلاً ولا يكتفي بمقاربتها بمخزونه الفكري وينطلق من تحليل واقعي لنقاط القوة والضعف وأثرها الآني والاستراتيجي ، فاليوم يجب أن نتجه نحو تكوين الأمة السورية أو بمعنى أدق الاعتراف بوجود هذه الأمة فنحن في سورية لدينا كل مقومات تكوين الأمة فلدينا الدولة بالمعنى السياسي ( أرض – شعب – سلطة) ولدينا الرابطة الروحية الراقية بين أبناء الشعب السوري والتي تعتبر من أهم خصوصيات الشعب السوري والتي جعلت منه كياناً بشرياً واحداً متماسكاً منسجماً إضافة إلى الإرادة والرغبة المشتركة في تقوية الوطن السوري ( وفق النظرية الفرنسية ) واللغة الواحدة ( وفق النظرية الألمانية) ومع ذلك لم نبلور دولتنا لتصبح أمة لاعتبارات القومية العربية والانتماء للأمة العربية وأنا هنا لا أطرح مشروعاً بديلاً عن المشروع القومي العربي لكن أين هي تلك الأمة العربية اليوم ؟؟؟ أليس من موجبات الانتماء العربي والالتزام بالمشروع القومي أن نخرجه من دائرة الشعارات إلى دائرة العمل الممنهج ؟؟ كيف لنا أن نتبنى مشروعاً لا نملك القدرة إلى إدارته دون شركاء وهؤلاء الشركاء باتوا اليوم أكثر تصهيناً من إسرائيل ؟؟؟ أليس إعادة ترتيب البيت الداخلي بالاستناد إلى تكثيف عوامل القوة أمراً مشروعاً ومطلوباً بحكم المسؤولية القومية الملقاة على عاتقنا ؟؟؟ أليست دماء الشهداء التي روت أرضنا لا في سبيل بقاء قضيتنا فحسب بل من أجل انتصار هذه القضية تحتم علينا الوفاء لها بان نلتفت إلى العمل ونحقق حلمهم في تكوين أمة قوية قادرة ؟؟؟
إن عدم بلورة النصر السوري في إنتاج مشروع نهضوي سوري سيلقي بكل ما حققه الشعب السوري من ثبات وصمود ونصر في رحى الزمن لتدور من جديد دون أي نفع ونتعاطى معها كما تعاطينا مع أمجاد أجدادنا مجرد حكايا تتوارثها الأجيال دون أي إسقاط لها في الواقع ودون أي استفادة منها لبناء مستقبل أفضل ولا يفوتني هنا ألم عدم تمكننا من استثمار نصر المقاومة اللبنانية في حرب تموز 2006 كما يجب والتي كان يمكن أن تقلب الطاولة على رؤوس المتآمرين والمتخاذلين والعملاء وتصوغ فجراً جديداً لهذه الأمة ...
بكل الأحوال إن العودة إلى الوراء مرفوضة ولا حتى المراوحة في المكان فالعدو لن يقر بهزيمته وإن فعل فلن ينتظر طويلاً دون أن يعود لمحاولة اغتيال وطننا وامتنا مستفيداً مما تحقق من مفرزات سلبية يبني عليها مشروعه الجديد فلماذا لا نكون السباقين في البناء على ما تحقق من إيجابيات واستثمار عوامل القوة وتكثيفها ، فلنكن كذلك بربكم ولو لمرة واحدة في تاريخنا المعاصر ونتقدم إلى الأمام بمشروع نهضوي يرتكز على الخصوصية السورية ويعظمها وينتقل بها من واقع الدولة إلى واقع الأمة لتصبح قاعدة استقطابية لكل القوى الوطنية وتفرز كل ما هو سواها آو يتناقض معها لحساب تركيز القوة وتكثيف مقوماتها فلا ديمقراطية تشرع التناقض من زاوية الاختلاف من أجل التشتت والتباعد مسخرة أشباه المثقفين ووسائل الإعلام لتكريس ثقافة التهليل للخسائر والضعف فكلما تباينا وتباعدنا عن مشروع وطني جامع أصبحنا متقدمين ديمقراطياً وكلما اقتربنا من توحيد صفوفنا تحت لواء مشروع وطني صرنا بعرفهم شموليين وأحاديي النظرة ..
إنها اليوم معركة إثبات الوجود فلا يجوز أن تكون القضية قضية إعلان انتصار فحسب وجرد لاحق للخسائر والأرباح دون أن نبني على الإيجابيات ونتلافى السلبيات التي سيحاول العدو مجددا تعظيمها وتكريسها لتحقيق مآربه ونصوغ مشروعاً يجمع السوريين على راية رفعة الوطن وقوته ..
فكل إنسان يولد حاملاً هوية معينة وانتماءاً محدداً موروثاً لا يصبح مكوناً أصيلاً لشخصيته حتى يعي هذا الانتماء وتلك الهوية ويتبناهما وثمة العديد ممن يمضون حياتهم في البحث عن الهوية وتحديد الانتماء ويضيعون في دوامة تعريف معنى الانتماء وامتلاك الهوية، لذلك لا يمكن إنجاز الدولة-الأمة قبل أن يعي الأفراد انتماؤهم للأمة، وقبل أن يؤمنوا بضرورة النضال لتحقيق هذا الإنجاز، وهذه العملية تشكل المضمون السياسي والاجتماعي والفكري والنضالي لمشروع الأمة .
يتبع .......

Copyrights © dampress.net

المصدر:   http://www.dampress.net/?page=show_det&category_id=12&id=19496