الرئيسية  /  كتاب وآراء

تدمير أوكرانيا.. بداية تسوية دولية جديدة... بقلم: إلياس فرحات


دام برس : تدمير أوكرانيا.. بداية تسوية دولية جديدة... بقلم: إلياس فرحات

دام برس :
اذا كانت الحرب العالمية الاولى اندلعت اثر اغتيال ولي عهد النمسا فرانز فرديناند في سراييفو عام 1914 والحرب العالمية الثانية اثر الإجتياح الهتلري لبولندا بعد ايام من إبرامها معاهدة دفاع مشترك مع فرنسا وبريطانيا عام  1939، فما هو السبب الذي سيفجر حرباً عالمية ثالثة؟
يذهب العديد من الباحثين الى ان الحرب العالمية الثالثة اندلعت فعلاً ونحن الآن في خضم بداياتها، فيما ينبري آخرون بالدعوة إلى التروي في أمر إندلاع هكذا حروب بالطريقة التقليدية المعروفة، خصوصا في ظل وجود أسلحة دمار شامل من نووية وغير نووية ووسائل نقل واطلاق سريعة وفرط – صوتية لهذه الأسلحة التي لو سلمنا جدلا باستخدامها من الاطراف المتحاربة، فهذا وحده كفيل بالقضاء على البشرية.

في 24 شباط/فبراير 2022 هاجمت القوات الروسية اوكرانيا بعدما اعلن الرئيس فلاديمير بوتين الاعتراف بجمهوريتي لوغانسك ودونيتسك الانفصاليتين اللتين تتميزان بغالبية روسية من السكان في شرق اوكرانيا. في الاسابيع الاولى للحرب، فشلت روسيا في استثمار صدمة الهجوم وحث القيادات الاوكرانية على تغليب خيار انقاذ البلاد بالتسوية السياسية على الدخول في حرب مدمرة (تتلخص التسوية بعدم انضمام اوكرانيا الى حلف الاطلسي وعدم حيازتها اسلحة نووية).

إطالة أمد الحرب
تبين ان حلف الاطلسي والولايات المتحدة كانوا على اتم استعداد للحظة الحرب، بدليل إنتشار ميليشيات محلية منعت القيادات العسكرية والادارية الرسمية من الاذعان للشروط الروسية.. وبدلا من ذلك حثت العسكريين والمواطنين على قتال الجيش الروسي واعلاء شعارات الدفاع عن الوطن الأوكراني على شعارات التسوية السياسية (الإستسلام). في هذا السياق، جاء إعلان الولايات المتحدة عن وصول ثلاثة الاف متطوع اميركي الى اوكرانيا بعد اقل من اسبوع على بداية الحرب بالاضافة الى اعلانات من بريطانيا وكندا عن وصول متطوعين ايضا. السؤال البديهي: لم تكن الحرب قد تبلورت هويتها وشكلها حتى اقتنع افراد أجانب بعدالة “القضية” وقرروا التطوع والخضوع لتدريب عسكري ثم الإنتظام في تشكيلات قتالية في جغرافيا الحرب الأوكرانية وتحت أمرة جهاز قيادة وسيطرة فاعل. هل من تفسير؟

يوماً بعد يوم، تتصاعد وتيرة التورط الاميركي والاطلسي في الحرب الأوكرانية. وقد أوردت صحيفة “نيويورك تايمز” ان وكالة المخابرات المركزية الاميركية (سي آي إيه) تساعد اوكرانيا في تنفيذ اغتيالات طالت عدداً من الجنرالات الروس، كما صرح الجنرال الاميركي جوزيف هيلبرت في مؤتمر صحافي في البنتاغون انه “منذ بداية المهمة وحتى كانون الثاني/يناير 2022 دربنا اكثر من 23 الف جندي من القوات الاوكرانية تابعين لـ 17 كتيبة و11 لواء”. واضاف ان الولايات المتحدة تشارك في تدريب الاوكرانيين منذ عام 2015. كما ذكرت محطة “ان بي سي” الاميركية ان معلومات استخباراتية قدمتها الولايات المتحدة ساعدت اوكرانيا على اغراق الطراد الروسي “موسكفا” في البحر الاسود.

في السياق نفسه، طلب بايدن من الكونغرس تخصيص مبلغ 30 مليار دولار لتقديم المساعدة الى اوكرانيا علما ان قيمة المساعدات الاميركية بلغت اكثر من 8 مليار دولار فيما بلغت مساعدات دول الاتحاد الاوروبي نحو 3 مليارات. هذا التمويل لا يؤشر الى اطالة امد الحرب فقط بل الى تورط دول حلف الاطلسي ايضاً.
الخيار الوحيد المتاح حالياً أن يتقاتل الغرب مع روسيا على المسرح الاوكراني وهذا ما يتسبب بدمار اوكرانيا وخراب شعبها إلى حين يقتنع الجميع بضرورة التوصل إلى تسوية دولية جديدة على انقاض النظام العالمي الجديد الذي اعلنه الرئيس جورج بوش الأب مطلع العام 1992 ونعى فيه تسويات واتفاقيات يالطة

التركيبة الداخلية في اوكرانيا
ومنذ بداية الحرب، بدأت التركيبة السكانية في اوكرانيا تتغير فقد نزح حتى أيار/مايو 2022 نحو 5 ملايين اوكراني خارج البلاد ونحو 8 ملايين داخل البلاد توجه معظمهم نحو الغرب في منطقة لوفيف على الحدود مع بولندا.

ولم يعد سرا ان بولندا تلعب دور راس الحربة في مواجهة روسيا ودعم الحكومة الاوكرانية الحالية المناوئة لروسيا. وقد بدأ نفوذها يتصاعد في اقليم لوفيف ويكثر الحديث عن ضم هذا الاقليم الى بولندا ردا على ضم اقليمي دونيتسك ولوغانسك الى روسيا وما يشاع عن احتمال اجراء استفتاء في خيرسون لاعلانها جمهورية حكم ذاتي تمهيدا لانضمامها الى روسيا ايضا. كل ذلك يشكل اطاحة واضحة لنتائج الحرب العالمية الثانية وقد يرتب تداعيات اخرى في وسط اوروبا.
ومن المعروف ان الدول المحاذية لاوكرانيا وهي بولندا وسلوفاكيا ورومانيا وهنغاريا هي دول أعضاء في حلف شمال الاطلسي وبالتالي اي نزاع عسكري ينشب بينها وبين روسيا مرشح لان يتحول الى حرب بين الحلف وروسيا ما يزيد احتمالات إندلاع حرب عالمية ثالثة يستخدم فيها السلاح النووي. لذلك تبدو قواعد الاشتباك حاليا بعيدة عن التماس المباشر بين روسيا وحلف الاطلسي بحيث يجري القتال داخل الاراضي الاوكرانية بين روسيا ودول حلف شمال الاطلسي التي تتدخل عسكريا باشكال مختلفة وان إقتصرت المواجهة حتى الآن على استخدام الاسلحة التقليدية.

التهيب النووي
ثمة سؤال يطرح، لماذا لم تنضم اوكرانيا الى الاتحاد الاوروبي والى حلف شمال الاطلسي منذ عام 2014 اي عندما سيطر ما سمي بالنازيين الجدد على السلطة وهل كان المطلوب لأوكرانيا وظيفة معينة كتلك التي نشهدها منذ إندلاع الحرب؟

ما كان يجري في اوكرانيا هو اخطر من انضمامها الى حلف الاطلسي، فقد كشف الرئيس بوتين منذ بداية الحرب ان اوكرانيا تعمل على بناء سلاح نووي ومن المعروف ان اوكرانيا عندما كانت جمهورية سوفياتية كانت تحتضن على اراضيها مقرات اسلحة نووية ومفاعلات نووية سوفياتية ايضاً. زدْ على ذلك أن الاوكرانيين ما زالوا يمتلكون المعرفة والامكانات اللازمة لبناء سلاح نووي وهي أفضل من الامكانات المتوافرة لكوريا الشمالية وايران، وبالتالي، لو تأخر الهجوم الروسي واكملت اوكرانيا بناء سلاح نووي لكانت شكلت تهديدا نوويا لروسيا من خارج حلف الناتو، الامر الذي يسمح لها بقصف اهداف في عمق روسيا وربما استعمال السلاح النووي ايضا من دون توريط حلف الاطلسي، وفق ما يردد الكثير من المحللين الروس.
لغاية الان، لا يبدو ان الولايات المتحدة بصدد التورط بتوسيع النزاع ليبلغ درجة استخدام السلاح النووي. بالمقابل، تبدو روسيا وبرغم التهديدات باستعمال السلاح النووي غير متحمسة لهذا الخيار.
الخيار الوحيد المتاح حالياً أن يتقاتل الغرب مع روسيا على المسرح الاوكراني وهذا ما يتسبب بدمار اوكرانيا وخراب شعبها إلى حين يقتنع الجميع بضرورة التوصل إلى تسوية دولية جديدة على انقاض النظام العالمي الجديد الذي اعلنه الرئيس جورج بوش الأب مطلع العام 1992 ونعى فيه تسويات واتفاقيات يالطة.

Copyrights © dampress.net

المصدر:   http://www.dampress.net/?page=show_det&category_id=48&id=106549