Logo Dampress

آخر تحديث : الثلاثاء 21 أيلول 2021   الساعة 23:29:13
دام برس : http://alsham-univ.sy/
دام برس : http://www.
هل الإسلام في أزمة أم الأزمة في الإسلام ؟ بقلم : عبد الحق العاني
دام برس : دام برس | هل الإسلام في أزمة أم الأزمة في الإسلام ؟ بقلم : عبد الحق العاني

دام برس:
  لا بد لكل رحلة من نهاية وها أنا ذا أصل لنهاية هذا الموضوع في هذه المرحلة. فقد بدأت بالتساؤل وأوضحت رأيي في أن الإسلام في أزمة وأن هذه الأزمة هي في جوهر ثقافة الإسلام. فليس هناك خلاف بين متابعي المشهد السياسي العربي في استخلاص أن النظم السياسية العربية منذ الحرب العالمية الأولى فشلت في بناء دولة عربية قادرة على تحقيق الحد الأدنى من العيش الكريم والحر للإنسان العربي. وهذ الفشل له أسباب مختلفة فقد فشلت النظم البالية في الجزيرة والخليج بسبب أنها قامت أساساً من أجل الإبقاء على الإنسان كأداة للإستهلاك وهذا يعني بالضرورة أنها لم ولن تقدم لهذا الإنسان أي شيء وهكذا كان فهي وإن كانت تمتلك وتضخ نصف نفط الأرض فإنها لم تتمكن من بناء دولة واحدة يمكن أن يشار إليها على أنها دولة. أما الدول التي سميت إصطلاحاً بالتقدمية فإنها فشلت في رأيي لسببين، أولهما أن أعداء تلك النظم لم يكن ليرتضوا للمشروع القومي العربي أن ينجح لما كان يمثله من تناقض مع مشروعهم الصهيوني الرأسمالي في الهيمنة على العالم. اما السبب الثاني فهو أن قادة المشروع القومي العربي التقدمي لم يتمكنوا من فهم التأريخ وطبيعة شعوبهم وما تريده تلك الشعوب.

فتخبطوا في عملهم فلا هم سمحوا لجماهيرهم أن تنال ما تريده على خطئه وسذاجته أحياناً ولا هم حكموا بالبطش الذي تتطلبه مرحلة بناء الدولة في وجه التحدي الصهيوني كما فعل حكام كوريا الشمالية على سبيل المثال. وهكذا أصبح من السهل على أعدائهم الوصول للجماهير التي لم ترتض بما تحقق وكانت تطمع وتظن أن وعود الأعداء سوف تحقق لهم تلك الآمال. وكان سهلا على العدو أن يدخل من خلال الدين... فساهم في حركات وأنشأ حركات ودعم حركات وكلها ذات طابع ديني وإن لم يكن ذلك الطابع الديني واضح المعالم في كل حركة.   وهذا المشروع المضاد للوجود العربي ليس حديث عهد ولم ينشأ كما قد يبدو للمتابع العابر خلال العقود القريبة الماضية فقد بدأ قبل قرنين ونصف حين ساهمت الصهيونية البريطانية في نشوء الحركة الوهابية والتي كانت وما زالت أعرق حزب وأكثر حزب تنظيماً وولاءاً في التاريخ الحديث.  واستمر المشروع يأخذ أساليب متعددة على مدى قرنين وتمثل في دعم حركات الإخوان المسلمين في كل الدول العربية التي تبنت المشروع القومي العربي في مصر وسورية والعراق وليبيا على سبيل المثال.

ولم يغب عن الصهيوني أن يستثمر القوة الكبيرة المتمثلة في المرجعية الشيعية في النجف وقم. فأقام علاقات متينة معها معتمداً على شعورها بالضعف والإقصاء وسط التيار السني الكبير المحيط بها. فنتج عن هذا المسعى تولد قناعة واسعة داخل المرجعية في أن المصلحة تكمن في الإنحياز للصهيونية من أجل الحفاظ على التشيع. وأول تسخير للدين بشكل منظم وعملي منذ تمكين الوهابية من إحتلال مكة وتسخير الإسلام لخدمتها، كان في خلق تنظيم القاعدة والذي بدأ في تجميع العرب بشكل اساس من أجل محاربة "الكفار" الشيوعيين في أفغانستان وذلك بمال الوهابية وتدريب "الكفار" الأمريكيين! فولدت من تلك التجربة نواة الحركات التي نشهدها اليوم في العالم العربي خصوصاً والإسلامي عموماً. فكل حركات التطرف والقتل والتخريب الإسلامي اليوم تجد جذورها في حركة من سموا ظلماً وعدواناً بـ "المجاهدين العرب" في أفغانستان. وقد يبدو أن هذه الحركات اختلفت مع الصهيونية التي أنشأتها، وقد يكون هذا الخلاف وقع حقاً في الممارسة أو أنه مفتعل في مظهره. وما يؤيد هذا الرأي الأخير هو أن هذه الحركات التي نشطت في العالم العربي خلال العقد الماضي لم تتعرض لأي هدف صهيوني بل كانت كل أهدافها ضد المسلمين خاصة والعرب عامة...كما لا يمكن لأي مراقب إلا أن يسأل هل إن الصهيونية لا تعرف كيف تمنع ما يسمى بالخليفة الإسلامي من الإنتقال من مدينة الرقة السورية إلى مدينة الموصل في العراق أرضاً بموكب كبير ومسلح وهي، أي الصهيونية العالمية، تمتلك السماء والرصد في كل الأرض؟ 

وسواء أوقع الخلاف وافترق الطرفان أم أن الخلاف مفتعل وليس حقيقياً فإن ما تقدمه الحركات السلفية، والتي تعمل تحت شتى الأسماء، من خدمة للمشروع الصهيوني يجعل حقيقة ما إذا كان الخلاف قد وقع أم لم يقع موضوعاً ثانوياً إذ ان خدمة المشروع الصهيوني هو الهدف ولا يهم كيف يتم تحقيقه. ولم يغب عن الصهيونية سلاح المذهبية الكبير وهي أعرف به فلم تكتف بتحريك الغرائز الدينية لدى الدهماء من العرب في العراق وسورية وليبيا ومصر لكنها وظفت التنازع المذهبي خير توظيف أينما أمكن ذلك. ففي العراق أقنعت الشيعة أنها هي المخلص لهم من إستبداد السنة حتى إذا ما ساعدوها في غزو العراق وخرابه سارعت لتسليح عصابات الصحوة السنية مدعية أنها تفعل ذلك لحمايتهم من عصابات الشيعة الخارجة عن القانون.... فما أن أنتهت من ذلك حتى ألقت لهم بآخر صنائعها الدينية والتي أسمتها "داعش"، وهكذا انتهى الجميع يقاتلون بعضهم بعضاً ويخربون العراق باسم الإسلام فهل يمكن أن يتحقق نصر للصهيونية أكبر من ذلك...

وهل ما زال هناك من يقول أن أمريكا هزمت في العراق؟ لكن اللعبة لم تكن محصورة في إستغلال التنازع المذهبي داخل الإسلام. حيث يبدو أن الغريزة الدينية التي صنعها أربعة عشر قرناً من تأريخ الإسلام لم تكن بحاجة لخلاف مذهبي كي تمزق نفسها وما حولها. فهذه ليبيا من مذهب واحد لكن الدهماء التي تحركت بغريزة الدين الذي تعلمته سرعان ما حولت ليبيا التي عاشت عقوداً في أمن وأمان إلى دويلات مبنية على أساس القبيلة والمدينة تقاتل بعضها بعضاً باسم الدين. وهذا يعني أن العمى الذي خلفته الثقافة الدينية يمكن أن يسخر في أي طريق يريده المسخر إذا أحسن إدارة اللعبة. بدأ القرن العشرين والعالم العربي أغلبه محتل أو مسلوب السيادة بشكل أو بآخر.... فكانت أطماع الرأسمالية الصهيونية في إحتلال المشرق العربي ذلك لأن المغرب العربي في شمال أفريقيا كان عملياً محتلاً ولا يحتاج جهداً كبيراً لإخضاعه. فولدت إتفاقية سايكس بيكو بين أطراف الحلف الصهيوني والمتمثلة يومها ببريطانيا وفرنسا والذي قسم المشرق العربي بينهما.

وهكذا كان العالم العربي في نهاية العقد الثاني من القرن العشرين يكاد يكون كله محتلاً. فقد أمنت تلك الإتفاقية بلاد الشام وما بين النهرين، وحيث إن الخليج لم يكن موجوداً بعد ليس فقط إقتصادياً وساسياً ولكن حتى بشرياً، فإن المتبقي الوحيد من أرض العرب كانت جزيرة العرب، لكن تلك كانت وديعة الصهيونية بيد الوهابية فلا خوف عليها! وقد أملت الصهيونية أن تؤسس دولاً على أسس وطنية بحدود تخطها على وفق ما تعتقده سوف يجلب أكبر قدر من الرضا بين الشعوب مع تمكنها هي من التحكم بالجميع من خلال ذلك التقسيم وحاجة كل طرف للصهيونية كي تمنحه الشرعية وتحميه. وحين إنتهت الحرب العالمية الثانية إكتشفت الصهيونية، ضمن الحقائق الجديدة التي ترتبت على نهاية الحرب من محدودية إمكانياتها السابقة في الإحتلال والغزو الفوري اينما تعرضت مصالحها للضرر، إكتشفت أنها بحاجة لأساليب وأدوات جديدة للتعامل مع العرب. فقد نشأ أكثر من جيل عربي جديد ما بين الحربين وبعد الثانية لديه تطلع جديد وطموح بالإستقلال والحرية تتجاوز أسلافه. وهذا الحال ليس ما تريده الصهيونية حيث إنه ليس مضمون النتائج حين يتعلق بمشاريعها العالمية. فبدأت بالبحث عن تلك الأساليب والأدوات.... ولم يطل البحث طويلاً فقد تنبهت ان ما سبق وخططت له قبل قرنين بالنسبة لجزيرة العرب في تسخير الإسلام لمصلحتها أصبح مقبولاً بالنسبة لكل أرض العرب بعد فشل المشروع السياسي القومي.

  فبدأت الصهيونية بمغازلة الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي مبدية أن لا مشكلة لها في قيام دولة إسلامية في أرض العرب والمسلمين إذا فهمت تلك الدولة ما يمكن لها أن تفعله. ثم سرعان ما أدركت الصهيونية أنها أخطأت في مشروع سايكس بيكو فقد كان من الأفضل لو أنها اقامت الدولة الإسلامية المتخلفة في نهاية الحرب العالمية الأولى. حيث إن كل ما كان سينشغل به مسلموا ذلك اليوم لا يمكن أن يتجاوز ما يختلف حوله مسلموا اليوم من طول "اللحية" وقصر "الدشداشة" ودوران الشمس حول الأرض حين كانت سفن فضاء الكفار قد وصلت إلى أطراف مجرتنا، وحول ما إذا كانت ملامسة الحائض، على رواية السيدة عائشة، تجيز مجامعتها أم مجرد ملامسة الأجساد، وما شابهها من تفاهات التفاهات والتي لا يمكن أن تقدم شيئاً للبشرية والتي ليس لله أي شأن بها! وكيف يمكن لهذا أن يضير الصهيونية؟  وهكذا تدرجت الصهيونية في التعامل مع الإسلام السياسي في مراحل حققت جميعها أهدافها بشكل متقن وبأقل الخسائر لها.

إن وضع العرب اليوم أسوء مما كان عليه عشية انتهاء الحرب العالمية الأولى، فحين كان العرب يومها يتطلعون لبناء مجتمعات يسود فيها العدل والتسامح والمساواة وتحفظ فيها الكرامة البشرية ويضمن للإنسان حد أدنى من العيش الكريم، فإن المجتمعات العربية اليوم ليست فقط في صراع حول ما إذا كان يجب أن يكون الحكم إسلامياً أم لا باستثناء غير المسلمين، لكن الصراع هو بين نوع الإسلام الذي يجب أن يطبق وهذا لم يعد يعني فقط رفض التشيع بل تعداه الى إصرار طائفة من أهل السنة على أنهم وحدهم على الصراط المستقيم وغيرهم في ضلال. وقد تبدو المشكلة هينة إذا ما قال قائل بأن هؤلاء قلة، لكن الحقيقة هي غير ذلك وإن لم يسغ للكثيرين مواجهة تلك الحقيقة. ذلك لأن التثقيف التاريخي والديني لأكثر من ألف عام من حكم الخلافة الإسلامية قام على أساس أن الإسلام الصحيح لا يتحقق إلا بدولة الخلافة التي أقامها السلف الصالح.

وهذا يعني أن الحركة السلفية التي صبغتها الوهابية بصورتها العصرية لم تجد صعوبة كبيرة في مخاطبة عامة المسلمين أكثر من دعوتهم للعودة للسلف الصالح والاقتداء به في ظل دولة إسلامية. وليس عسيراً فهم إقبال عامة المسلمين على هذه الدعوة وهي تعدهم بالدولة التي سمعوا عنها في المدرسة والمسجد تحقق للمسلمين المجد والنصر والاستعلاء ورغد العيش في وقت لا يجدون عملاً ولا ضماناً ولا أمناً ولا كرامة بعد أن فشلت النظم السياسية العربية في تحقيق ذلك لهم. فكل ما يحدث اليوم يجد له سبباً ومسوغاً في سلوك السلف الصالح. فحين يدعي السلفيون أن قتال الروافض والعلويين والدروز والإسماعيلية أوجب من قتال اليهود الكفار فهم يعتدون بما فعله الخليفة أبو بكر في قتال المسلمين الذين رفضوا دفع الزكاة بحجة أنهم مرتدون فأصبح قتال المرتد أوجب من قتال الكافر. وحين يفرض السلفيون الجزية على نصارى الرقة والموصل فهم يستندون إلى سياسة خلفاء بني أمية بشكل أساس في فرض الجزية على أهل الكتاب.

وحين يهدم السلفيون الكنائس ويكسرون الصليب فهم يشيرون لأكثر من حديث أورده الشيخان أو صحح على سنتهما يقضي بوجوب تكسير الصليب وتسفيه دين النصارى قبل يوم القيامة. وحين يستبيح السلفيون أنفس وأعراض وأموال الروافض ومن معهم فهم يتبعون فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يجله أكثر رجال الدين السنة ولا يجرؤ من يخالفه على التصريح بذلك. ولا يجد السلفيون مشكلة في أي سلوك يسلكونه لأنهم يعتدون في كل ذلك بالسلف الصالح الذي لا يجرؤ أحد من رجال الدين المسلمين اليوم على التعرض له أو نقده.

إي إن ما يفعله السلفيون يجد تسبيبه في فقه وثقافة أهل السنة. وهذا يجعل أقوال رجال الدين الذين يخرجون علينا كل يوم وهم يتحدثون عن أن سلوك السلفيين في سورية والعراق مناقض للإسلام الصحيح ليست سوى نفاق. فلو أن أياً من عمائم أهل السنة خرج علينا ليقول إن قتال أبي بكر لرافضي دفع الزكاة ليس بالضرورة سنة إسلامية لأمكن لنا أن نرد على السلفيين أن قتال المرتد ليس واجباً، خصوصاً وأن القرآن يخبر بأن حساب المرتد من أمر الله وليس للناس. ولو أن رجال الدين طلعوا علينا برأي يقول ان فرض الجزية في الإسلام ليس أمراً مسلماً به على كل ذمي في كل وقت وكل زمان، حيث إن النص القرآني جعله ضريبة حرب على من يهاجم المسلمين فيهزم، لأمكن لنا أن نتهم السلفيين بأنهم تجاوزا الإسلام. ولو أن أهل المسلمين أعلنوا صراحة أنهم لا مشكلة لهم مع الصليب وان الأحاديث عن كسر الصليب ضعيفة ومنحولة، خصوصاً إذا أدركنا أن القرآن ذكر الصليب في الحديث عن السيد المسيح في موضع مدح وليس موضع ذم، لأمكننا تسخيف القصص الخرافية عن نصر المسلمين في كسر الصليب، ومنع بهائمهم من القيام به. ولو تجرأ عدد من رجال الدين السنة اليوم أن يطعنوا بفتاوى ابن تيمية وأن يطالبوا بعرضها على الكتاب وسنة النبي (ص) الثابتة من أجل منع تلويث أذهان بسطاء المسلمين بمسلمات الشيخ وتوزيعه للجنة والنار كما يشاء، لأمكننا أن نضع حداً للفتنة المذهبية التي يحذرنا منها رجال الدين أنفسهم دون أن تكون لهم يد في ردها حقاً.

ولكن أياً من رجال الدين لم يفعل أياً من هذا وما شابهه ذلك لأن عملاً كهذا يعني أن يضع رجل الدين نفسه أمام زملائه في مناقشة قدسية السلف وسلوكهم أي بإعادة قراءة التأريخ وتحليله بعقلانية قد تقضي بالحكم ببطلان بعض سياسات وفقه السلف. وحيث إن أي رجل دين لا يستطيع أن يفعل ذلك فإن الحديث عن كون سلوك السلفيين مناقض للإسلام الصحيح لا يعدو أن يكون كلاماً فارغاً، فالسلفي يستند للسلف الذي يقدسه الجميع بينما رجال الدين الذين يعترضون على السلفيين لا يمتلكون إلا الكلام الفارغ! وهذه الحقيقة تفسر سر نجاح السلفية التي حصدت بكل سهولة نتائج التثقيف الديني لكي تحشد الرافضين والمقاتلين والانتحاريين. فإذا اضفنا لذلك توفر المال لدى مواطني شبة جزيرة العرب وحكوماتها المدعية والراعية للسلفية فإنه ليس عسيراً فهم سبب قيام الحاضنة الشعبية الكبيرة وجموع المنخرطين في الإرهاب في مدينة الرقة ودوما والموصل والفلوجة على سبيل المثال لا الحصر.  هناك مدينة صغيرة في محافظة ديالى في العراق تسمى "هبهب"، لم يعرف عنها تدينها في السابق بل على العكس فهي اشتهرت في إنتاج المشروب الكحولي المسكر في العراق والمسمى بـ "العرق". نقل لنا أحد المراسلين الأوربيين قبل أسابيع أن مائة من المقاتلين الإسلاميين دخلوا البلدة صباحاً، لكن ما أن حل المساء حتى كان قد التحق بهم من أهلها أكثر من ألف رجل مسلح! فهل يمكن تفسير هذا إلا بما أسلفت من سبب؟ لا يمكن للمشاهد اليوم إلا أن يستخلص حقيقة واحدة وهي إننا ساهمنا بشكل مباشر في ما وصلنا إليه من انحطاط وتخلف وذل واستعباد.

فليس عندي أي وهم بما رسمته الصهيونية وعملت عليه خلال قرنين من الزمن لتمكنها منا. لكني لست واهماً في فهم مساهمتنا في تلك العملية. فها نحن بعد قرن من الإحتلال المباشر لأرضنا والخراب الذي لحقنا من غزو الصهيونية لنا نرى بأعيننا مندوب العراق في الأمم المتحدة يخرج علينا ليشكر الولايات المتحدة على مساعدتها في ضرب السلفيين في شمال العراق ويدعو لتوسيع وتكثيف تلك الضربات. إن وصف هذا الحال بالسقوط قد لايكون كافياً فهذه الولايات المتحدة التي خربت الأمة العربية في نصف القرن الماضي أصبحت اليوم مخلصاً ومنقذاً لنا! ولم يعد مهماً البحث في كيف وصل الحال لما نحن فيه، إذ ليس مهماً أن نفهم أن السلفية ومن يليها في سلم المشروع الديني بعثت على يد الصهيونية التي وجدتها خير منفذ لبرنامجها المؤدي لتجزئة المجزأ، وليس مهماً أن نفهم أن الثقافة الدينية وتمجيد التأريخ المشوه للإسلام أساس الإنخراط البهيمي في صفوف المسلحين. فالمهم هو أن نأكل ونشرب ونشتري أفضل السيارات والهواتف الأذكى منا وأن نهتم بالتكاثر ما دمنا نسمع رجال الدين يبتدعون كعادتهم  قولاً ينسبونه لرسول الرحمة (ص) مفاده الدعوة للتكاثر حتى يفاخر بنا الأمم الأخرى يوم القيامة وكانه (ص) ليس لديه هم آخر سوى أن يفخر بالبهائم! فهل يمكن أن يكون هناك نصر للصهيونية أكبر من أن تشكرها الضحية على إنقاذها وتتوسل بها المزيد؟

  إن علة مساهمتنا في ما نحن فيه من حال يرجع للثقافة الدينية وتدريس التأريخ. فليس هناك من فرق بين السلفيين والإخوان وولاية الفقيه وحزب الدعوة وحركة النهضة وسواها من الحركات والأحزاب. فجميعها قائمة بهدف إقامة دولة إسلامية وهذا يعني بالضرورة قيام دولة مذهبية تدعي أنها وحدها تمثل الإسلام الصحيح لأنه لا يوجد إسلام واحد ودليل ذلك أنه لو وجد إسلام واحد لما قامت كل هذه الحركات والأحزاب الدينية ولأكتفينا بحزب واحد. فليس صحيحاً ما يقوله رجال الدين المسلمون من اي مذهب كانوا بأن إلاسلام واحد فهم يثقفون خلاف ذلك.

وهذا يظهر إستحالة قيام دولة إسلامية واحدة لأن اية دولة سوف تهمش المذاهب الأخرى وتستبعد غير المسلمين بالكامل. ذلك لأن مجرد الحديث عن كون النصارى، على سبيل المثال، يعاملون معاملة كريمة في إيران هو الدليل على عدهم خارج الأمة مما يقتضي الإشارة لحسن المعاملة فلو لم تكن دولة دينية مذهبية لما قامت حاجة لذلك التأكيد. ثم كيف يمكن أن تقوم دولة إسلامية واحدة تؤوي الحنفي السني والجعفري الشيعي، هذا إذا لم أذهب أبعد وأسأل عن الدولة التي يمكن أن تقوم على أسس دينية وتضم الشيعي العلوي والوهابي السلفي؟

إن إستحالة قيام دولة دينية في عالم اليوم حقيقة لم يوجدها الإنسان بل أوجدها صانع الزمان والمكان فقد سبق في علمه هذا ولو أراد لدولة دينية أن تقوم لأعطى ذلك المجد لنبيه الأكرم لكنه لم يشأ ذلك لعلة يعرفها من يعرفها ويجهلها من يجهلها. إن إستحالة قيام دولة إسلامية في عالم اليوم مرده أن الشريعة التي وضعها المسلمون الأوائل ليست قادرة على التعامل مع حاجة اليوم وواقع ما وصلت له الناس. فليس كافياً أن يكتب أحد المتنورين من رجال الدين المسلمين فصلاً أو كتاباً في نقد الماركسية مستنداً في ذلك لمبادئ من الإسلام، دون أن يأتي بالمبادئ الإسلامية التي تعالج مشاكل العصر في هيمنة رأس المال العالمي والظلم في توزيع الثروة. ذلك لأن نقد الظلم والخطأ في أية نظرية سياسية أو إقتصادية لا يحتاج بالضرورة لمبادئ دين معين حيث يكفي العقل البشري في ذلك. إن عدم وجود نظرية سياسية إسلامية تعالج السياسة والإقتصاد والمجتمع هو المشكلة وليس عجز مدنية الغرب في تقديم الحلول. فليس كافياً الحديث عن اشتراكية علي بن أبي طالب دون أن يقول لنا الكاتب كيف يمكن وضع تلك النظرة الإشتراكية موضع التطبيق. وليس كافياً الحديث عن مصارف إسلامية تدعي أنها لا تمارس الربا حين لا تستطيع أن تفصل بين أرباحها وأرباح المصارف العالمية التي تتداخل حساباتها معها!

وهذا حديث ذو شجون فليس الهدف مما أوردت معالجة عدم مقدرة ما يسمى بالشريعة الإسلامية تقديم نظام دولة، بل هو تذكير بالقصور.  فليس من مستقبل لهذه الأمة إلا بالخروج من دوامة خداع النفس بأن الحل هو في نظام دولة إسلامية.... إذ ان الحل الوحيد هو في الدولة المدنية التي تساوي بين الناس في إنتمائهم لها وتتركهم لممارسة قناعاتهم الدينية كما يشاؤون.

أما الدين فهو الدعوة لتقويم سلوك الفرد. فإذا صلح كل فرد صلحت الأمة وأصبح النظام السياسي سهل التطبيق. فلو أن رجال الدين قضوا عشر وقتهم وهم يشرحون للناس أن الكذب والرشوة والسرقة والفساد والمحسوبية والقبلية والرياء والسعاية أخطر عند الله من ترك الصيام والحج لكانت هذه الأمة في حال أفضل بكثير مما هي عليه. أما أن يقف رجل الدين يوم الجمعة ليدعو الله أن يحفظ ويرعى وينصر الحاكم الفاسق السارق الظالم فكيف سيصلح حال المسلم المتلقي لهذا النفاق؟  وأية دولة إسلامية تلك التي يراد لها أن تتحقق بفساد حكام كهؤلاء ونفاق رجال دين كما لدينا؟ أما الحديث عما تحتاجه الأمة العربية للخروج مما هي فيه فهو مشروع بحث آخر، لم تكن هذه السلسلة إلا مقدمة له. 

عبد الحق العاني

www.haqalani.com 

الوسوم (Tags)

النظام   ,   الإسلام   ,   الثقافة   ,   الأزمة   ,  

اقرأ أيضا ...
هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
ملاحظة : جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا علاقة لموقع دام برس الإخباري بمحتواها
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
*
   
Copyright © dampress.net - All rights reserved 2021
Powered by Ten-neT.biz