Logo Dampress

آخر تحديث : الجمعة 18 حزيران 2021   الساعة 23:45:19
دام برس : http://alsham-univ.sy/
دام برس : http://www.
احذروا تجزئة التسويات .. بقلم: د. علي الجرباوي
دام برس : دام برس | احذروا تجزئة التسويات .. بقلم: د. علي الجرباوي

دام برس:

قبل خمسة عشر عاماً، في العام 1999، أصدرت كتاباً حذرت فيه من مغبّة الحلّ الذي تحاول إسرائيل فرضه أساساً لتسوية القضية الفلسطينية، وهو ما أطلقت عليه في حينه مشروع "الحلّ المُركّب".
كان الكتاب بعنوان: فصل الضفة عن القطاع: مأزق تفاوضي أم خيار إسرائيلي استراتيجي؟! وكان استنتاجه أن فصل القطاع عن الضفة كان هدفاً إسرائيلياً استراتيجياً يؤسس لحلّ مُركّب للقضية الفلسطينية.
لم يُثر الكتاب الاهتمام الكافي في حينه داخل الأوساط الفلسطينية، إذ اندلعت الانتفاضة الثانية بعد ذلك بفترة وجيزة، وتوقفت مسيرة التسوية السياسية لمدة طويلة.
هذا لا يعني أن إسرائيل تخلت عن هذا المشروع الخطير، إذ ما زلت أعتقد بأنه مازال يشكل المنطلق الأساس لتصورها للتسوية الأنسب لها للصراع، والمحرك الرئيس لمخططاتها وتصرفاتها في الأرض المحتلة.
يكتسب الوعي بهذا المشروع الخطير، والتصدي فلسطينياً له، أهمية قصوى تتعاظم مع المفاوضات الجارية الآن في القاهرة لإنهاء الحرب الإسرائيلية الحالية على غزة، والتوصل إلى اتفاق مستدام بشأن القطاع وقضاياه الملحة.
وعلى المفاوض الفلسطيني أن يعي أبعاد منطلقات الاستراتيجية الإسرائيلية كي لا يقع فريسة لها، يدعمها دون قصد أو انتباه.
ولتلخيص هذه المنطلقات أعود للكتاب المذكور واستخلص منه مقتبِساً فقرات متوالية، ولكن غير متسلسلة، وأعيد ربطها ببعض مستهدفاً الاختزال قدر الإمكان، ولكن مع ضمان انسياب الأفكار الواردة أصلاً فيه.
* * *
" تريد [إسرائيل] التوصل إلى إنهاء القضية الفلسطينية عن طريق التوصل إلى تسوية سلمية مع الجانب الفلسطيني يتم بموجبها احتفاظ [ها] بأكبر رقعة من الأرض الفلسطينية المحتلة العام 1967. وإذا نحيّنا قضية القدس التي يوجد إجماع إسرائيلي بضمّها إلى إسرائيل، فإن الاهتمام الإسرائيلي بشأن الأرض يتعلق بعد ذلك بالضفة الغربية. فقطاع غزة منطقة صغيرة الحجم، معزولة وشديدة الكثافة السكانية الفلسطينية، وليس لها بالنسبة للإسرائيليين أهمية استراتيجية خاصة، أو ادعاءات توراتية - تاريخية مهمة.
....
وبالتالي فإن الاهتمام الإسرائيلي بمستقبل الضفة الغربية يفوق بكثير ذلك الاهتمام بمستقبل غزة. ويمكن الجزم بأن رحى المعركة التفاوضية بين القوى السياسية داخل إسرائيل تتركز على تحديد مستقبل الضفة الغربية، وبالتالي فإن العملية التفاوضية مع الطرف الفلسطيني تتعلق بالأساس حول تحديد هذا المستقبل.
يأتي الإمعان الإسرائيلي المنهجي في تدعيم فصل الضفة وتكريسه عن القطاع ...[ل] يحمل في ثناياه موقفين إسرائيليين متكافئين، الأول، تكتيكي، ويتلخص بمحاولة إسرائيلية لكسب الوقت وتأجيل اتخاذ قرار بشأن مستقبل المنطقتين حتى يتم التوصل إلى أكبر درجة إجماع داخل إسرائيل حول هذا الموضوع.
والثاني استراتيجي، ويتمثل بقيام إسرائيل، ووفق سياسة تراكم الخطوة خطوة، بالتحضيرات الضرورية لفتح المجال أمام فرض حلين مختلفين ومنفصلين جوهرياً، ولكن مع إبقاء ارتباطهما ببعض وظيفياً، على الضفة والقطاع. ويرتكز هذا المنظور الذي تحاول إسرائيل أن تبقي أبوابه مفتوحة أمامها على إمكانية تجزئة الحل السياسي للقضية الفلسطينية جغرافياً بين الضفة والقطاع، ولكن مع تمريره من خلال إيجاد اتصال وظيفي، وليس وصلا جغرافيا، بين المنطقتين. وإن تمكنت إسرائيل من تمرير هذا الحل فإنه يتيح لها أقصى إمكانية للاحتفاظ بأراضٍ ومصادر فلسطينية مع التخلص من عبء الفلسطينيين وإغلاق إمكانية تحولها مستقبلاً إلى دولة ثنائية القومية.
.....
ومن هذا المنطلق، وإذا كان إغلاق ملف القضية الفلسطينية لا يمكن أن يتم سوى عن طريق إقامة دولة فلسطينية، وإن التأييد الدولي لإقامة هذه الدولة في ازدياد، فقد يكون مآل الحل التوافقي الإسرائيلي أن تقام هذه الدولة في قطاع غزة فقط. أما الضفة الغربية التي أُثخنت تقطيعاً واستيطاناً وأصبحت التجمعات السكانية الفلسطينية فيها تشكل معازل مفصولة بمستوطنات وشبكة طرق استيطانية، فيكون مصيرها ضمن هذا الحل التوافقي الإسرائيلي أن تبقى منطقة معوّمة السيادة يتم تقاسم الوظائف عليها بين إسرائيل والدولة الفلسطينية الغزية، وربما الأردن.
بمثل هذا الحلّ المُركّب، والذي قد يتشكل بموجبه اتحاد كونفدرالي لإدارة شؤون الضفة الغربية بين الدول الثلاث، تحتفظ إسرائيل لنفسها من خلاله بالمسؤولية الكاملة عن الأمن الخارجي والمصادر والحدود الدولية (نهر الأردن) والتجمعات الاستيطانية. أما الدولة الفلسطينية الغزيّة فتُمنح مسؤولية كاملة على السكان الفلسطينيين القاطنين في الضفة في إطار حكم ذاتي موسع يشمل مساحة تصل حوالي 50% من الضفة. أما الأردن فيمكن أن تتم مقايضة قيامه بلعب دور وسيطي بين الفلسطينيين والإسرائيليين في الحلّ الخاص المتعلق بمدينة القدس بمنحه فسحة اقتصادية في الضفة الغربية، ربما تتطور لاحقا إلى دور أكثر ترابطية وأشد عمقاً ضمن كونفدرالية مرغوبة دولياً لإيجاد حلّ عملي لمسألة توطين اللاجئين.
....
فعلى افتراض تمكن إسرائيل من فرض "الحلّ المُركّب" بأن يصبح قطاع غزة خاضعا للسيادة الفلسطينية، بينما تبقى الضفة مُعومة السيادة، فان جميع فلسطينيي الضفة سيصبحون من الناحية القانونية وبشكل فوري، مواطنين من دولة مجاورة يقطنون مع غيرهم من مواطني دولة مجاورة أخرى (المستوطنين) في منطقة غير سيادية تخضع لإشراف وظيفي مقسم بين الدولتين. وبالتالي، ستحصل اسرائيل مباشرة على التساوي القانوني بين المواطنين الفلسطينيين والمستوطنين في الضفة، وتكون بذلك قد حققت ما يمكن أن يُدعى بـ "ترانسفير قانوني" لفلسطينيي الضفة دون أن تقوم بتحريكهم من أماكن سكناهم. فجميع فلسطينيي الضفة يصبحون من خلال فرض اسرائيل "الحلّ المُركّب" مواطنين فلسطينيين يتبعون قانونيا للدولة الفلسطينية الغزيّة، بينما يستمرون بالسكن (مع غيرهم من مواطني دولة اسرائيل: المستوطنين) في الضفة. ويتحول الصراع الفلسطيني الاسرائيلي الذي سينحصر جراء ذلك حُكماً، وبشكل تلقائي، في الضفة من صراع قومي للشعب الفلسطيني المناضل لتحقيق حقوقه الوطنية الشرعية من اسرائيل، إلى نزاع عرقي بين مجموعتين اثنيتين (عرب ويهود) تعيشان في منطقة واحدة (الضفة) وعليهما ايجاد السبل للتعايش فيما بينهما.
وبالمحصلة، تكون اسرائيل من خلال فرض الحلّ المُركّب القائم على "الفصل الإقليمي" قد استولت على الضفة الغربية فعليا (إضافة للقدس)، وتخلصت بذات الوقت من تبعية فلسطينييها وإمكانية تهديدهم المستقبلي ليهودية الدولة العبرية. كل ذلك مقابل التنازل الفعلي من قبل إسرائيل عن السيادة على مساحة من فلسطين لا تتجاوز الأعشار في المائة. بذلك تكون اسرائيل قد حققت تحت شعار "السلام" ما لم تتمكن من تحقيقه بوساطة الانتصار في الحروب واستمرار الصراع. أما بالنسبة للفلسطينيين فيكون هذا "السلام" قد كرّس تفتيت مصيرهم جغرافياً وسياسياً، ولفترة قادمة لا يمكن التكهن بطول مداها".
(هنا ينتهي الاقتباس)
* * *
إذا كانت إسرائيل تستهدف ابتلاع القدس والضفة، ما يُفسّر كثافة النشاط الاستيطاني فيهما، وعلى استعداد للتنازل عن قطاع غزة - وقد بدأت ذلك بانسحابها أحادي الجانب منه العام 2005- يكون من الضروري للفلسطينيين التشبُث بوحدة مصير الأرض المحتلة مجتمعة، وبما يحول دون الحلول المنفصلة لمناطق فلسطينية مختلفة.
على هذا الأساس يستند الرفض الفلسطيني لكل ما تقوم به إسرائيل من إجراءات أحادية الجانب في مدينة القدس والضفة، بالتالي، الأحرى أن لا يقبل الفلسطينيون بتاتاً التوصل إلى اتفاقيات مجزأة مع اسرائيل تؤدي إلى تكريس فصل القطاع عن الضفة، ما يفتح لإسرائيل امكانية تجزئة مفهوم السيادة جغرافياً عليهما.
هذا لا يعني على الإطلاق قبول استمرار الحصار المفروض على غزة منذ ثمانية أعوام، بل على العكس، يجب الإصرار على رفع هذا الحصار بالكامل، جملةً وتفصيلاً، بما يشمله ذلك من إعادة تشغيل المطار والميناء. ولكن ما يجب الانتباه له والتأكيد عليه أن ذلك يجب أن يكون مترافقاً ومتزامناً مع ضرورة إيجاد رابط بري حرّ وآمن بين الضفة والقطاع. فدون هذا الرابط ستبتلع إسرائيل الضفة بشكل كامل ونهائي، كما القدس. أي أنّ رفع الحصار عن القطاع يجب أن يضمن إعادة اتصاله وتواصله مع الضفة، وإلا ذهب كل منهما باتجاه، وضاعت وحدة الهدف الفلسطيني العام.
يجب أن لا ننغرّ كثيراً برفض إسرائيل للمطلب الفلسطيني الحالي إعادة تشغيل المطار والميناء، وكأن السبب في ذلك أنها تريد الاحتفاظ بغزة، فهي لا تريد ذلك، ولو كان الأمر كذلك لما وافقت أصلاً في السابق على وجود مطار وميناء.
كما يجب أن لا يدفعنا هذا الرفض، تحت قاعدة "كل مرفوض مرغوب" إلى أن يزداد إصرارنا على هذا التشغيل، دون مصاحبته بإصرار مماثل على تشغيل الرابط البري بين القطاع والضفة.
يجدر أن لا يغيب عن وعينا أنّ جُلّ ما تريده إسرائيل لتنفيذ "الحلّ المُركّب" هو التأكد من وجود وفعالية ضمانات بعدم تحوُّل القطاع بعد تسليم السيادة عليه إلى الفلسطينيين إلى منطقة ارتكاز للمقاومة ضدها.
بمعنى آخر، إن ما يمنع إسرائيل من الموافقة على إعادة تشغيل المطار والميناء هو وجود واستمرار المقاومة في قطاع غزة.
فإذا انتهت هذه المقاومة لن يكون عند إسرائيل عائق، بل هي التي ستدفع حينها باتجاه التخلص التام من القطاع، فهذا ما سيؤمن لها استمرار استحواذها على الضفة.
هذه هي المفارقة إذاً: إن من يطلب رفع الحصار بالكامل عن غزة، وبالتالي تحصيل السيادة عليه، يجب أن يقبل بالمقابل نزع السلاح منه، وبالمفاضلة، فإن رفض نزع سلاح المقاومة يفوق بأهميته الاستراتيجية أي مطلب فلسطيني حاليا.
إن كانت النظرة الفلسطينية غير ضيقة، وليست مدفوعة بمصالح فئوية أو مناطقية، بل بالمصلحة الوطنية العليا، وتريد أن تحتفظ للقدس والضفة بإمكانية الخلاص من الاحتلال، فإن التسوية المطلوبة جرّاء الحرب على غزة يجب أن تكون شاملة وليست خاصة فقط بقطاع غزة، وعليها أن تصون قدرات المقاومة أيضا.
إن قطاع غزة المقاوم هو الذي يحمي مستقبل القدس والضفة، وهو الضامن حاليا لمنع إسرائيل من تنفيذ "الحل المُركّب" الذي تسعى جاهدة لتنفيذه.
لا تُخرجوا قطاع غزة من المعادلة.

* أستاذ العلوم السياسية/ جامعة بيرزيت.

الوسوم (Tags)
اقرأ أيضا ...
هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
ملاحظة : جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا علاقة لموقع دام برس الإخباري بمحتواها
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
*
   
Copyright © dampress.net - All rights reserved 2021
Powered by Ten-neT.biz