Logo Dampress

آخر تحديث : الخميس 13 أيار 2021   الساعة 17:20:10
دام برس : http://alsham-univ.sy/
دام برس : http://www.
على طريق الحوار ..الجزء الثاني .. بقلم الكاتب والمحلل السياسي عفيف دلا

دام برس :

تحدثنا في الجزء الأول من المقال في سياق مناقشة أن ما جرى في سورية هو ثورة شعبية أم لا ، أما في هذا الجزء سنناقش مقاربة أخرى تقوم على أن ما جرى هو حراك شعبي مطلبي سلمي تم استغلاله من قوى خارجية معادية لتغيير المعادلة السورية وفق أجندتها وهؤلاء يقرنون هذا الاستغلال الخارجي بتوفر مجموعة من المقومات تتجلى بالأخطاء والسلبيات المتراكمة في البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة السورية ويحملون " النظام السياسي " مسؤولية هذه التراكمات .
إن ما تحدثنا به في الجزء الأول يحدد إذا كان ما جرى في سورية هو ثورة أم لا .. إضافة إلى أنه إذا ما توقفنا عند مصطلح "الحراك" تمييزاً له عن الثورة بمعنى أن نقبل اصطلاحاً بحراك شعبي مطلبي دون وجود نظرية ثورية وباقي مقومات الثورة؛ فهل يقصد بالحراك الشعبي خروج مجموعة من الأشخاص في مدينة ما دون باقي المدن أو القرى السورية لتحقيق مطلب ما ؟ وهل هؤلاء الأشخاص فقط هم المهيئون لاستشعار الحالة المطلبية السورية ؟؟ فمصطلح الحراك الشعبي لا يجوز أن نؤطره فقط في حدود خروج مجموعة من الأشخاص في مدينة ما ففي ذلك مغالطة مفاهيمية كبرى لمفهوم الحراك الشعبي ..؟؟ حتى أن مصطلح الحراك الشعبي لا يعني التظاهر فالتظاهر شكل من أشكال الحراك وليس هو الحراك بحد ذاته .. فالحراك الشعبي ينطلق من أسباب ودوافع تتراكم في الوعي أولاً قبل أي شيء آخر ويعبر عنه سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وبوسائل مختلفة فلا يكون الحراك رد فعل على حدث ما ولماذا كان قد بدأت بعض المواقع الالكترونية على شبكة الانترنت بالتنظير لثورة شعبية ضد النظام السياسي قبل أن تبدأ أي مجموعات من الناس بالتظاهر ؟؟ ولماذا قد تجاوزت الحالة المطلبية كل الحدود مباشرة لتتماهى مع شعارات الثورات العربية الأخرى ؟؟ 
وتوصيف " الشعبي " وإلصاقه بالحراك يعطيه صفة التعميم غير الموضوعي وكأن الشعب بكل فئاته وعلى امتداد ساحة القطر قد خرج لتحقيق هدف ما وهذا الأمر لم يكن موجوداً على الإطلاق في بداية الأحداث في سورية وبالتالي كان إطلاق هذا التوصيف على الحاصل في سورية غير موضوعي ويجانب الصواب إلى حد كبير إضافة إلى أن ثقافة التظاهر لم تكن موجودة في سورية كأداة تعبير عن حالة مطلبية معينة ولم تكن في العرف الشعبي السياسي ولم يكن هناك أي سابق تجربة على هذا المستوى على الأقل في العقود الثلاثة الماضية وبالتالي هذا الأسلوب في التعبير شكل حالة مستجدة غير ناضجة في الوعي الفردي أو الجمعي في المجتمع السوري وهذا ما كان يثير الريبة بشكل كبير حول حقيقة أن هذا التظاهر الحاصل في بداية الأحداث سوري المنشأ أم مستورد من الخارج ؟!
أما بالنسبة للأخطاء المتراكمة في البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية فهنا لا ننكر وجود هذه الأخطاء والثغرات والتشوهات في منظومة العمل الحكومية بشكل عام والتي زاد من تأثيرها غياب المحاسبة والرقابة الرسمية والشعبية على مؤسسات الدولة رغم كل الانفتاح الحاصل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وبقدر أقل في الحياة السياسية لاعتبارات كثيرة تتعلق بالواقع الإقليمي والدولي والتحديات التي رافقت سورية في العقد المنصرم فمن أحداث الحادي عشر من أيلول في أمريكا وبدء مرحلة الحروب الاستباقية من أفغانستان إلى العراق واختراق منظومة الأمن القومي الإقليمي وتغيير الخارطة السياسية في المنطقة باستخدام القوة العسكرية والإنفراد السياسي في حكم العالم وتغييب القانون الدولي ودور الأمم المتحدة في حل النزاعات الدولية مروراً بالضغط الدولي عقب اغتيال الحريري في لبنان 2005 كمحاولة لاحتلال سورية بعد العراق ثم حرب تموز 2006 ومحاولة كسر محور المقاومة ثم الحرب على غزة في نهاية عام 2008 وبداية 2009 وصولاً إلى ما سمي بثورات الربيع العربي في المنطقة في عام 2010 وبالتالي كنا أمام مشهد غير مسبوق في الصراع الدولي على الجغرافيا السياسية في المنطقة بأدوات ومفردات جديدة غير مسبوقة ولا أعتقد أن مثل هذه الأحداث كانت لتسمح إضافة إلى الحصار الاقتصادي المفروض على سورية بأن يكون هناك بيئة خارجية مساعدة ومحفزة للتنمية ومع ذلك فإن ما شهدته سورية من تطور في العديد من مناحي الحياة العامة جدير بالاحترام .. لكن وليس تبريراً للخطأ إلا أن الخطأ جزء من سيرورة الحياة لا ينتهي في زمن محدد أو في مكان محدد ولا يمكن إيقافه بوسيلة ما، لكن يمكن التخفيف منه والحد من آثاره فالخطأ الفردي والخطأ في السياسات والبرامج التنفيذية والخطأ المقصود وغير المقصود إضافة إلى اختراقات العدو في بنى الدولة ذاتها ومفرزات ذلك على مستوى الأداء والنتائج يراكم كماً كبيراً من الأخطاء التي لا يجوز لنا الاتكاء عليها في تبرير أو تحليل ما حصل في سورية فمجموعة الأخطاء التي نتحدث عنها تتمحور بالدرجة الأولى في منظومة الأداء الحكومي ونتائجه ولا تتعلق بشكل مباشر بالحياة السياسية وقضايا الديمقراطية والحريات وغيرها من القضايا التي تهتم بها النخب والأحزاب والقوى السياسية أكثر من غيرها من فئات المجتمع السوري ..
كما أن طرح أن تراكمات الأخطاء هي السبب في الحاصل من فوضى في سورية ينطوي على استهداف سياسي للدولة أكثر من كونه توصيفاً أو تحليلاً سياسياً بعيداً عن التمترس السياسي والإيديولوجي الحزبي الذي يظهر أكثر عندما يبدأ صاحب الطرح في إيضاح طبيعة هذه الأخطاء حيث ينطلق من فلسفة حزبية في أغلب الأحيان ترتكز إلى كم كبير جداً من النظريات السياسية والاقتصادية التي تغلب عليها الفلسفة الماركسية اللينينية (وأنا لا أحكم هنا على هذه الفلسفة التي أحترمها حقيقة) لكن أتوقف عند عدم صوابية تغليب الثقافة الحزبية على الحالة الوطنية والمعطى السياسي على المعطى الوطني، حيث لا يجوز استغلال ما يجري لتمرير فلسفة سياسية اقتصادية محل أخرى متجاوزين الأولويات الوطنية التي تجعل من الهوية الهاجس الرئيس في ظل الاستهداف الشرس لها حيث أنه عندما تضيع الهوية الوطنية لن يبقى مكان لفلسفة ماركسية أو ليبرالية أو حالة حزبية أو سياسية لأن الإطار الوطني الذي تتحرك فيه ولأجله هذه الفلسفات والتيارات الفكرية ينعدم بالمطلق وتنعدم معه آفاق هذه التيارات لصالح تيار يفرض بقوة إرادة القوى المستهدفة للوطن بكل مكوناته وبالتالي يصبح مشروعها هو البديل لكل المشاريع الأخرى . 
وفي السياق نفسه نقول بأن ليس ثمة من دولة لا توجد فيها ثغرات تمكن أعداءها من استغلالها والاستفادة منها في التصويب على تلك الدولة فالانطلاق من فلسفة مثالية في تقييم واقع الدولة لا يشكل مساراً علمياً للفهم الموضوعي لمعايير تقييم أداء الحكومة ومؤسساتها وبالتالي يؤسس لإطلاق أحكام قيمة غير موضوعية ترتكز في كثير من الأحيان إلى الاجتزاء والانفعال والارتجال والاعتباطية، أوليس من الأفضل طرح المشكلة بغية الوصول إلى حل لها أو بلوغ واقع أفضل مما كان في السابق؛ من طرح المشكلة بغية تحقيق استثمار سياسي أو حزبي فقط، وإذا ما كانت هذه الأخطاء قد تراكمت خلال مراحل زمنية سابقة لماذا لم نلاحظ تراكماً موازياً في الوعي الفردي والجمعي ترجم نفسه في حراك أو بدايات حراك حقيقي منظم استطاع اختيار أدوات التعبير الملائم ووسائل التغيير المطلوبة وطنياً ؟؟ ولماذا لم ينذلق هذا الحراك المطلبي في وقت ما سابق لما جرى في المنطقة ؟ وبالتالي من الذي حدد ساعة الصفر في انطلاق الحراك الشعبي المزعوم ؟؟؟ والذي رأيناه أمامنا دون سابق إنذار فقط كحالة مستنسخة لما جرى في بعض الدول الأخرى، علماً أن عدم التسليم بوجود حراك شعبي لا يلغي وجود الحالة المطلبية الشعبية على المستوى الفردي والجمعي تجاه قضايا مختلفة منها ما هو جوهري فعلاً ومنها ما هو ثانوي، لذلك نقول أن وعي المشكلة لا يكفي لحلها وإنما المطلوب مقاربة المشكلات بواقعية ومعالجتها من حيث مسبباتها وليس من حيث نتائجها وبالارتكاز إلى الوعي الوطني المفترض أن يشكل قاعدة العمل السياسي فيكون من الواجب على جميع القوى السياسية وغير السياسية المشاركة بعملية التصويب والتقويم وليس فقط إطلاق الاتهامات وتوصيف المشكلات دون وضع مقترحات عملية لحلها لذلك إن الاتكاء على وجود أخطاء في إطار التوصيف للازمة الحالية هو اتكاء غير موضوعي لأنه ينطلق من فلسفة مثالية ويبتعد عن مقاربة الواقع الذي يشكل الخطأ جزءاً لا يتجزأ منه ويعتمد لغة التعميم المطلق في توصيف وضعية معينة إضافة إلى تغليب الاستثمار السياسي الحزبي في هذه الحالة على الاستحقاق الوطني ولا أعني في هذا السياق أن الاعتراف بوجود الخطأ هو محاولة لشرعنته والاستمرار فيه لكن هنا فقط نتوقف عند تحديد الأولويات الوطنية في التعاطي مع الأزمة السورية وليس الوقوف عند أخطاء النظام السياسي وجعلها السبب الرئيس فيما جرى ويجري في سورية وبالتالي تحميل مسؤولية ما جرى على عاتق هذا النظام على حسب زعم أصحاب هذا الطرح وعدم ذكر أي منجز له في أي ميدان من الميادين لتسويق فكرة عدم صلاحية هذا النظام السياسي بكليته وهنا يقع أصحاب هذا الطرح في مغالطتين كبيرتين : أولهما التعميم المطلق في إطلاق حكم القيمة على النظام السياسي وهذا يعتبر خطأ منهجياً وعلمياً وثانيهما أن صاحب هذا الطرح يعزل نفسه كلياً عن الوجود داخل البنية الاجتماعية السياسية لأنه بشكل أو بآخر هو جزء من النظام السياسي القائم حتى لو لم يكن في مواقع السلطة فهو أحد مكونات هذا النظام السياسي باعتباره قوة سياسية داخله يفترض أن تمارس دورها الوطني في تصويب وتقويم أي اعوجاج داخل بنيته من موقعها الوطني قبل موقعها السياسي فلا تحتاج إلى الوجود داخل مفصل سلطوي رسمي لتمارس حقها في تقويم الأداء بمختلف الوسائل المتاحة .
إضافة إلى أن هذا الطرح يفضي بشكل أو بآخر إلى تحييد العامل الإقليمي والدولي عن الأزمة السورية من خلال تسويق فكرة دخول هذا العامل لاحقاً على خط الأزمة وليس هو المخطط والمشرف على التنفيذ كما اعتدنا عليه في كل المراحل التاريخية التي شهدت تصادماً بيننا وبين القوى الاستعمارية فلم أعرف منذ الانزلاق العربي الكبير في كامب ديفيد وخروج مصر من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي أن العرب كشعوب أو أنظمة سياسية كانوا فاعلين على مستوى الحدث السياسي بل كانوا على الدوام منفعلين فلن ينتظر الأمريكي ما يقرره العرب ليأتي ويتحكم به لاحقاً إضافة إلى أن أي شعب من الشعوب عندما يقرر ويستطيع فعلاً أن يقوم بحراك ما أو بحدث ما فلن يستطيع العامل الخارجي مهما بلغ من القوة أن يصبح هو المتحكم المطلق بما يجري وإنما يقتصر دوره المتدخل بالتأثير على مستويات معينة وليس كما هو الحاصل في الساحات العربية وفي سورية على وجه التحديد وهذا ما تبين لاحقاً وبالتدريج على مستوى انكشاف حجم التحضير الغربي العربي للحرب على سورية وتجهيز كل الأدوات الكفيلة بتدمير سورية وتحويلها إلى جحيم مستعر .
فالأصل في نهاية المطاف يكمن في وعي الحالة الوطنية ومتطلبات النهوض بها لمواجهة التحديات وتجاوز احتمال السقوط في الهواية وتقديم المعطى الوطني على المعطى السياسي أو الحزبي وتفويت الفرصة على تسجيل النقاط لأحد الأطراف على حساب الآخر لصالح تجميع كل النقاط في رصيد الوطن فالهوية الوطنية هي المستهدف الأول والأخير وعندما ننتصر في معركة تثبيت الهوية الوطنية نستطيع أن نحل كل المشكلات الأخرى التي هي نتاج ثقافة المجتمع وأعرافه التي تحتاج إلى إعادة تكوين وتشكيل هياكلها وفق متطلبات المرحلة التاريخية واستحقاقاتها جاعلين رائدنا المصلحة الوطنية السورية ولا شيء سواها .  يتبع...

http://dampress.net/?page=show_det&category_id=48&id=25935
 

اقرأ أيضا ...
تعليقات حول الموضوع
  0000-00-00 00:00:00   ما يهمنا اليوم
كل ما يهمنا اليوم هو الخروج من هذه الحرب الكونية وكفانا خسائر بشرية ومادية...
بلال محمد  
  0000-00-00 00:00:00   سوريا
الأحداث التي مرت بالمحيط السوري خلال العشر سنين الماضية كفيلة بخلق الكثير من الاختلالات بالدولة والوضع الذي كانت سورية موجوده فيه طبيعي جدا...
ريما  
  0000-00-00 00:00:00   الثغرات السورية
لقد أتقن أعداء سوريا استغلال الثغرات السورية...
كريم  
  0000-00-00 00:00:00   سوريا
الحراك الذي حدث في سوريا كان هناك يد خفية تحركه وإلا لماذا هذا التوقيت بالذات...
لمياء  
  0000-00-00 00:00:00   تحليل رائع
تحليل رائع للأزمة السورية ...شكرا لك أستاذ عفيف
منى  
  0000-00-00 00:00:00   الهدف الوطني
هناك من يناقش الأزمة لأهداف حزبية وليس لأهداف وطنية وهؤلاء كثر اليوم ولو أن النية تصدق والكل يجعل الوطن أولا لكنا الآن على طاولة الحوار...
أيهم  
  0000-00-00 00:00:00   العامل الداخلي والخارجي
لا يمكن فصل العامل الداخلي عن الخارجي في الأزمة السورية...
سلاف  
  0000-00-00 00:00:00   الشعب
أستغرب عندما يحمل الشعب الدولة مسؤولية الحال التي كنا بها ويقولون أنها هي التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم...أيها الشعب السوري ألستم أنتم الدولة ألستم أنتم الموظفين والمدراء والمدرسين الذين تبنون الأجيال التي تقطع الرؤوس اليوم ألستم أنتم الوزراء والسفراء...اذا أنتم الدولة السؤال لكم أنتم لماذا سمحتم للأخطاء بالتراكم
نورس علي  
  0000-00-00 00:00:00   عوامل الأزمة السورية
مهما حاولنا تبسيط عوامل الأزمة السورية ستبقى في غاية التعقيد لأنها جميعها متداخله فيما بينها...
مواطن سوري  
  0000-00-00 00:00:00   الحراك الشعبي
توضيحك لمفهوم الحراك الشعبي بالغ الأهمية أستاذ عفيف...لكنن مصطلح الحراك الشعبي السلمي استخدم حتى في إعلامنا الوطني لذلك رسخ في أذهان الشعب هذا المصطلح
حازم  
هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
ملاحظة : جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا علاقة لموقع دام برس الإخباري بمحتواها
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
*
   
Copyright © dampress.net - All rights reserved 2021
Powered by Ten-neT.biz