Logo Dampress

آخر تحديث : الثلاثاء 23 تموز 2024   الساعة 23:04:16
دام برس : http://alsham-univ.sy/
دام برس : http://www.
لولا دي سيلفا والقيادة بالقدوة..بقلم: الدكتورة بثينة شعبان
دام برس : دام برس | لولا دي سيلفا والقيادة بالقدوة..بقلم: الدكتورة بثينة شعبان

دام برس :

لا شكّ أنّ متابعة زيارة لولا دي سيلفا الرئيس البرازيلي إلى الصين ومضمون وبرنامج هذه الزيارة، إضافة إلى معاني ما تعرّض له هذا الرئيس من ظلم وصل إلى حدّ السجن، توحي برسائل هامة ومفيدة وذات دلالات مستقبلية من الجدير جداً التوقّف عندها وفهم أبعادها بعيداً عن حملات التضليل التي يقودها الإعلام الغربي في المفردة والسردية في تناول هذه المواضيع ذاتها.

فالرئيس لولا دي سيلفا والذي قاد بلاده من عام 2003 حتى 2010 هو رئيس عمّالي أخرج بلاده خلال ولايته من المديونية إلى الوفرة وقاد تموضعها حيث تستحق في قلب الأحداث العالمية، وكان أحد أهم المؤسّسين لمجموعة "بريكس" التي تكتسب أهمية على الساحتين الاقتصادية والسياسية والدولية والتي تضم حالياً البرازيل والصين والهند وروسيا وجنوب أفريقيا.

وعلّ أولى الدلالات هي أن الرئيس لولا بدأ بزيارته من شنغهاي حيث حضر تنصيب الرئيسة السابقة للبرازيل ديلما روسيف (2011-2016) رئيسة لبنك مجموعة البريكس، هذا البنك الذي يعمل بجدية لاستبدال الدولار بالعملات المحلية وخاصة باليوان، وقد صرّح البنك المركزي البرازيلي أن اليوان أصبح ثاني عملة احتياطية للنقد في البرازيل مزيحاً اليورو من هذه المكانة.

وقد رافق الرئيس البرازيلي في هذه الزيارة مئتا شخصية اقتصادية من قادة الأعمال في البرازيل ووقّعوا أكثر من عشرين اتفاقية حيث أن التبادل التجاري بين البرازيل والصين يبلغ عشرات المليارات، ومن المتوقّع أن بنك مجموعة البريكس سيخطو خطوات كبيرة في السنوات المقبلة لإخراج الدولار من التبادل بين الصين والبرازيل وروسيا، ومستقبلاً من التبادل بين دول مجموعة البريكس.

هذا في الشقّ الاقتصادي ولكن وفي الشقّ السياسي فإن لولا دي سيلفا يُعتبر أيقونة النضال ضد الإمبريالية، والقائد المحترم في تعزيز دور البرازيل على الساحتين اللاتينية والدولية، وأيضاً الناشط من أجل علاقات دولية أكثر ديمقراطية. وها هو اليوم يتحدث عن عودة بلاده إلى دورها العالمي بعد غياب "يتعذّر تفسيره" كما قال لولا.

ويقول لولا: "إن عدد سكان البرازيل يفوق عدد سكان أعضاء مجلس الأمن روسيا وبريطانيا وفرنسا مجتمعة، وهذا يعني أنها تستحق مقعداً في مجلس الأمن". ويؤكد مستشار لولا ووزير الخارجية السابق سيلسو أموريوم: "نرغب بطريقة حكم دولية لا تشبه مجلس الأمن الحالي". وقد أطلقت البرازيل عدة دعوات لإصلاح النظام العالمي القائم في الأمم المتحدة من أجل علاقات دولية أكثر عدالة وديمقراطية. وقد حضر لولا الاجتماع الأول لدول البريكس في عام 2009 في مجموعة واعدة بأن تكون اقتصاداتها أهم من مجموعة السبع الحالية.

وفي القراءة لما يجري اليوم واستعادة محاولات الولايات المتحدة المستميتة للقضاء على مستقبل لولا السياسي وإيداعه السجن بتهم برهنت أن لا أساس لها من الصحة ولكن الهدف الأساس كان إبعاده عن السياسة التي انتهجها في بلده المهم جداً في أميركا اللاتينية وعلى الساحة الدولية، والداعية أساساً إلى فصل التعاون الاقتصادي عن التدخّل في أنظمة الحكم في العالم.

فلولا وحكومته يؤمنان بالحوار والقيادة من خلال "القدوة" كما قال مستشاره أموريم، وحين سُئل أموريم ما إذا كانت البرازيل بدورها القوي الجديد تحت حكم لولا ستؤدي دوراً في فرض أساليب العمل الديمقراطية أجاب أموريم بغاية البلاغة: "فرض" كلمة سيئة.

وإذا ما أخذنا تجربة لولا مع الولايات المتحدة والتي عمدت إلى محاربة أنموذجه بشتّى الوسائل ودعمت جايير بولسونارو الذي كان ينفّذ أجندة الولايات المتحدة بغض النظر عن مصلحة بلاده وأحياناً بما يتناقض مع تجربة بلاده، نوقن أن الولايات المتحدة تقف عاجزة حين تتم مواجهتها بالإرادة الصلبة والعمل الدؤوب والحكمة من أجل مصلحة البلاد ومصلحة الإنسان في هذا العالم.

ومن هذا المنظور وفي هذا السياق تزامنت زيارة دي سيلفا الهامة للصين مع زيارة السيد زياد النخالة قائد الجهاد الإسلامي إلى العراق مع تزامن الحدثين مع تضحيات أهلنا في فلسطين ضد الطغيان الصهيوني العنصري الأعمى.

والمقارنة بين زيارة نخالة ولولا تنبع من واقع أن الولايات المتحدة قد عملت جاهدة ومنذ احتلالها للعراق لفصل عُرى الشعب العراقي عن القضية الفلسطينية وعن سوريا، واخترعت مجموعات في المنطقة ضمّت العراق إليها بأمل تطويعه في مسار التطبيع مع الكيان الصهيوني، وأطاحت برئيس الوزراء عادل عبد المهدي نتيجة جهده لتأسيس علاقات للعراق مع سوريا والصين.

ولكن ما نراه اليوم من الدعم العراقي لسوريا بعد الزلزال ورغم كل تهديدات الولايات المتحدة، ومن دعم الشعب العراقي للشعب الفلسطيني وزيارة زياد نخالة للعراق في هذه الظروف وفي يوم القدس العالمي لهو دليل كبير على انكسار واندحار مخططاتهم في أكثر من مكان رغم أن إعلامهم البعيد جداً عن أي حرية في تناول القضايا ما زال يستخدم مفرداته وسرديّاته ذاتها إلى أن يأتي يوم يجدون فيه أن هذه السرديات قد فقدت أهميتها لدى القرّاء والمشاهدين وأنها ألغت ذاتها بعد أن فقدت مصداقيتها بالكامل.

حين عيّنت الولايات المتحدة الكيان الصهيوني في سنتكوم ظهرت المقالات والتحليلات التي تحدثت عن ناتو عربي يتشكّل بقيادة الكيان الصهيوني وعضوية دول عربية معيّنة، وعقدت الاجتماعات في أكثر من مكان وتمّ الترويج له وكأنه أصبح واقعاً.  

والسؤال اليوم هو أين هو هذا الناتو العربي، وأين هو هذا الكيان الذي سوف يحكم هذا الناتو وتحكم المنطقة من خلاله؟ وحين تم التوقيع على اتفاقات أبراهام المشؤومة احتفت الصحافة الأميركية بعصر جديد وانتهاء القضية الفلسطينية وأن الكيان الصهيوني ليس بحاجة إلى مرجعية الشعب العربي فهو سعيد بتعامله مع بعض الحكّام ويدع الشعب العربي وشأنه.

وها نحن نسأل اليوم من الذي يغيّر مسار التاريخ من اليمن إلى سوريا وفلسطين أليس هو الشعب العربي المؤمن بقضاياه وكرامته والمستعد للتضحية من أجل إعلاء كلمة الحقوق الثابتة والتي يرفض التخلي عنها بأي ثمن؟ وأين هي اتفاقات أبراهام التي هلّلوا لها بطريقة وكأن مجرد التوقيع عليها قد حوّلها إلى واقع يجب التعامل معه؟

كما أن الاتفاق الإيراني-السعودي والذي دعمته الصين يعتبر فشلاً ذريعاً لسياسة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني واللذين ما فتئا يدبّان الفرقة الدينية والمذهبية والطائفية بين أبناء المنطقة لتفتيت جهودهم وإضعافهم والسيطرة على قراراتهم ومقدّراتهم.
كل هذه الأمثلة وكثير غيرها لا مجال لذكرها هنا يبرهن بما لا يقبل الشك أن التاريخ يصنعه القادة والشعوب المؤمنة بحقوقها وقضاياها ومصيرها وقدرتها على كتابة تاريخها بيدها بغض النظر عمّا يدّعيه ويروّج له الأعداء من أكاذيب وأوهام وأساطير قوة لا تقهر.
وفي هذا الإطار أرى زيارة الرئيس لولا إلى الصين وكل الإنجازات الاقتصادية والسياسية لهذه الزيارة تشدّ من أزر المقاومين الحالمين بتغيير العالم إلى الأفضل حتى وإن تعرّضوا للظلم والتهميش خلال مرحلة ما يجب ألا يهتز اليقين أنهم هم صانعو التاريخ والمستقبل، وأن السرديات الغربية والادعاءات الكاذبة والأوهام المرسومة على الرمال لن تصمد أمام أول هبّة رياح تعتريها.

اقرأ أيضا ...
هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
ملاحظة : جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا علاقة لموقع دام برس الإخباري بمحتواها
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
*
   
Copyright © dampress.net - All rights reserved 2024
Powered by Ten-neT.biz