Logo Dampress

آخر تحديث : الثلاثاء 21 أيلول 2021   الساعة 01:08:25
دام برس : http://alsham-univ.sy/
دام برس : http://www.
لمسات في فناء كنيسة متهدمة... بقلم: آرا سوفاليان

دام برس:

كنا نستعد للصعود الى صفوفنا في مدرسة الأرمن،  وقد تركنا باص المدرسة الدافئ في ساحة باب توما وعلى نوافذه لوحة خلفيتها الضباب الذي صنعته أفواهنا الصغيرة ورسومها احرف من الابجدية الأرمنية ورسمة بيت أمامه طريق ومن سقفه تخرج مدخنة يتصاعد منها الدخان والقلم هو السبابة في يدنا اليمينى والممحاة هي راحة يدنا اليسرى...وقفنا والمطر يخترق ملابسنا ويصل الى أجسادنا الصغيرة، والكبار هم طلاب الصف السادس وصفّي هو الخامس وهناك الرابع وشقيقي في الصف الثالث الابتدائي.
من منكم رأى آرديم؟ آرديم كريكوريان... سجّلي يا آنسة سيما آرديم كريكوريان غياب...يبدوا أنه أحب أن يمدد العطلة الاسبوعية يوم آخر..
قد يكون مريضاً ايها المحترم فنحن في تشرين، والطقس شديد البرودة والغيوم سوداء وهذا ينذر بسقوط الثلج
حتى ولو أثلجت فإن المدرسة لا تغلق أبوابها أيتها الآنسة...آرديم هذا متعب جداً وغير منضبط ذكّريني في الغد ايتها الآنسة سأعاقبه بشده على استهتاره.
نحن هنا أيها المحترم وهذا آرديم طوع بنانك
حسنا تعال الى هنا يا أرديم قف هنا...لا لم أسمح لك بالالتحاق بالصف...قف هنا أنت معاقب ستقف هنا تحت المطر حتى نهاية الحصة الأولى لتتعلم الوصول في الوقت المحدد...أما انت ايتها الجدة فيمكنك الانصراف وفي المرات القادمة يكفي ان توصلي آرديم حتى الباب الرئيسي للمدرسة  فيستلمه البواب منك وعندها تغادرين حيث لا يسمح لك بدخول المدرسة.
وخرجت الجدة دون أن تنبث ببنت شفة وفي قامتها وعلى جبهتها وعيناها خطوط الانكسار...أما المعلمة التي امتقع لونها كان لسان حالها يقول...هذا وحش بملابس رجل دين...يجب أن يتم تزويج رجال الدين بالقوة...وهذه هي الطريقة الوحيدة لترويضهم...فرجل لا زوجة له ولا ولد لن يشفق لا على أم ولا على جدّة ولا على ولد.
وظل آرديم في الباحة وجدته ترقبه من بعيد وتبكي، ودخلت المياه الى كل ملابسه ونزلت المعلمة الى الباحة قبل انتهاء الحصة الأولى وأحضرته الى صفنا وهو الصف الخامس وآرديم في الصف السادس  ونزعت عنه ملابسه ووضعتها على الكرسي وأجلسته أمام المدفأة بعد أن ألبسته ملابس رياضة تخصني...وكنت أبقيها على الدوام في حقيبة المدرسة خوفاً من أن أنساها فتتم معاقبتي وأنا بالنسبة لهذا المحترم الغير محترم بالمطلق شيطانُ رجيم.
كان آرديم أصلب من الحجارة السوداء التي تؤطر أرصفة الشوارع في دمشق في بداية الستينات من القرن الماضي...لم يبك ولم يهتزّ له جفن ولم يعلق بحرف واحد...وعادت المعلمة وقد جففت جواربه وأعطته منشفتها الخاصة ليجفف قدميه ووضعت له حذائه تحت المدفأة.
كانت هذه المعلمة من أحب المعلمات الى قلوب كافة الطلاب وكان أسمها سيما الصغيرة...وكانت جريئة في مواجهة هذا المحترم الكاثوليكي الوحش والذي يعاونه وحش آخر يتولى تدريب فرقة الكورال الكنسيّة العائدة للكبار والفرقة الثانية العائدة للصغار وكان يخفي خيزرانة في كم ثوبه الكهنوتي الأسود شتاءً والأبيض صيفاً يستخدمها في جلد الطلاب...وقد كان لي نصيب من بطولاته عندما جعل من ظهري وهاد وهضاب بعد حفلة جلد في وسط الباحة لأني تجرأت على سيادة المطران ورفضت المجيء الى الكنيسة وقراءة الرسالة.
كان نادي الكشافة العائد للمدرسة متنفسنا الوحيد وكنت ارى آرديم فيه بعد ظهر كل يوم سبت وكان من المتفوقين في الرياضيات ومعجب بالتجارب المتعلقة بأسلاك الكهرباء والبطاريات والمصابيح وما الى ذلك...وكنا نذهب بعد قداس الأحد في جولة طويلة الى باب توما وبرج الروس وحديقة الصوفانية والقصاع ونعود ادراجنا في شلّة يتناقص عدد أفرادها لنبقى أنا وهو...نقصد سفل التلّة في حارات دمشق القديمة...وكانت هذه الحارات كالمتاهات وكنت أوصله الى بيته وأعود وحيداً الى بيتي دون ان أضيع ودون أن أسأل أحد عن الطريق وأنا مجرد طفل في الصف الخامس الابتدائي.
سألته مرة: هل هذا بيتك؟ قال: لا هذا بيت جدتي قلت: هي تلك السيدة التي توصلك الى المدرسة كل يوم؟ قال: نعم هذه جدتي...سألته: لماذ لا تحضر الى المدرسة معنا في باص المدرسة؟ قال بيتي بعيد واحوال والدي المادية ليست جيدة ونحن 6 أولاد وأنا أكبرهم وبالطبع لا يمكن لوالدي أن يتدبر مصاريفنا جميعاً لذلك أنا أعيش عند جدتي...هل هي جدتك لأمك؟ ...لا هي جدتي لأبي...ما هو اسمها؟...اسمها آناهيد ... ما معنى آناهيد؟ ...مجرد اسم...ولماذا توضّب شعرها على شكل كعكة بيضاء تحت منديلها الصوفي الأسود المثقب؟ ...لا أعرف...ولماذا لا تلبس إلا الأسود؟ ...تقول انها يتيمة وقد تم ذبح أهلها أمام ناظريها ولم ينجوا منهم أحد...انا لا أعرف لها ملابس أخرى غير الملابس السوداء...أتحبها؟ ...نعم هي مثل أمي... حنونة جداً مع فارق بسيط ... ما هو؟...إن أذنبت فأمي تضربني، أما جدتي فلا تفعل ذلك لم تجرب أن تعاقبني ولا أن تضربني ولا مرة واحدة منذ عرفتها وعرفتني...وماذا فعلت جدتك في ذلك اليوم عندما أصر الوحش المتدثر بثياب الكهنوت أن يعاقبك فأبقاك ساعة كاملة تحت المطر؟ ...لا يمكنها أن تفعل شيء، لقد جاءت ظهر ذلك اليوم لتعيدني الى بيتها وكنت أرى عيناها الدامعتين من خلف وشاحها الأسود...ولماذا لا يأتي والدك الى المدرسة فيضرب هذا الوحش ويخلصنا منه؟...أنت صغير ولا تعرف شيئاً...جرب أن تعلمني شيئاً...نحن ندفع مبلغ بسيط للمدرسة ويتم إعفاؤنا من تأدية الباقي، ويتوجب علينا أن ننحني من أجل ذلك تحت طائلة الطرد من المدرسة.
كيف تقضي وقتك في بيت جدتك؟...أفضل ما في بيت جدتي هو الطعام...أكلها طيب جداً...عائلتي من أضنة من أناتوليا من أرمينيا الغربية...وأضنة الى الغرب من انطاكية هذا ما تقوله جدتي...نحن أرمن أورثوذكس وجدتي متدينة جداً وتذهب الى كنيسة القديس سركيس الكائنة بالقرب من الباب الشرقي لمدينة دمشق...أحضر القداس الصباحي في كنيسة المدرسة وتحضر جدتي في التاسعة وبعد انتهاء القداس الصباحي لتأخذني معها الى كنيسة القديس سركيس فأقول لها: أنا متعب أريد الذهاب الى البيت...فتجيبني أولاد الأرمن لا يتعبون...هذه كنيستنا الأصلية ونحن لسنا كاثوليك...وينتهي القداس في الحادية عشرة فلا يفوتها شيئاً منه وفي طريق العودة تشتري لي السكاكر على سبيل الرشوة ولم أكن استطيع غير مطاوعتها والذهاب معها الى الكنيسة التي تحبها...وتعرفت عل كافة المناسبات وكافة الأعياد وكافة المراسم المتعلقة، في الكنيسة شهدت توزيع العنب في عيد السيدة العذراء وشهدت توزيع الحلوى البيضاء المرصعة بالفستق الحلبي في عيد القديس سركيس شفيع هذه الكنيسة وحضرت توزيع أغصان الزيتون في الفصح وحضرت كل قداديس الميلاد واحتفالات رأس السنة وكانت جدتي تغريني بالذهاب الى الكنيسة لرؤية الكشاف ورؤية الطبول ومسيرة خروج الكشاف من نادي الأرمن والذهاب الى باب توما والقصاع والاستعراضات في حديقة برج الروس ثم العودة الى كنيسة الأرمن...كان العزف يذهب بعقلي وأنا ممسك بيد جدتي آناهيد التي كانت تحدثني بلغة غريبة غير تلك اللغة التي كنت اتحدث بها في مدرستي وفي بيت أهلي...وكنت أتعلم بصمت حتى أتقنت التحدث باللغة التركية بشكل تام.
هل سألتها عن ما حدث للأرمن على يد أعدائنا؟ سألتها وكانت اجوبتها قليلة فلقد كانت صغيرة لا تتذكر الأسماء ولكن تتذكر الأماكن والأحداث...كانت تقول لي: هناك والى ما وراء مراعي الجواميس كانت حارات الأرمن في أضنة...قلت له: ما معنى مراعي الجواميس؟ قال: هناك نهر كبير في أضنة هو نهر جيحان  وكانت ماؤه تفيض في ثورة الينابيع في الربيع فتلتهم مساحات واسعة من الضفاف وتغرقها...حتى اذا انحسر الماء نمت أعشاب كثيفة ترعاها الجواميس والى الخلف من هذا المرعى بيوت أهل جدتي وأعمامها وأخوالها وخالاتها وإخوتها وأخواتها الذين ماتوا هناك...لديها بعض الذكريات كالسراب فهي تذكر مدرستها وتذكر البنات الكبار في مدرستها اللواتي كن يلاعبنها ويقبلنها ويتخاطفنها تذكر معلمتها في الروضة التي كانت تضعها في حضنها وتطعمها بالملعقة ما أرسلته أمها من طعام، تذكر ولكن كالسراب وجه أمها وتراها في الأحلام كسيدة لها وجه جميل تتبدل قسماته وملامحه في كل مرة فتعرف في الحلم أن السيدة الجميلة التي لا تشبه سابقتها في الحلم السابق هي أمها، تذكر كنيستها في أضنة وتذكر أنها كانت تلبس صندل في قدميها وكان يلتصق على ارض الكنيسة بتأثير الدم المتخثر لأنه هناك وفي هذه الكنيسة تم ذبح أرمن كثر...ومنهم كل أهلها.
جاء صيف العام 1966 وذهب طلاب الصف السادس في مدرستنا التي كانت تدعى آليشان وهذا اسم أديب وشاعر أرمني...كل في سبيله وهاجر آرديم كريكوريان الى أرض الله الواسعة التي وهبها الله للبشر جميعاً بدون حدود وبدون جنود وبدون أسوار ولا بوابات ولا جوازات سفر.
بعد 47 سنة وبعد يوم عمل شاق أمضيته أيضاً في بلاد الله الواسعة وأنا أنتقل من طائرة الى أخرى ومن مطار الى آخر ومن بلد الى بلد كابن بطوطة بعد أن تحولت سوريا الى ما تحولت إليه اليوم...وتركوا رأسي ورأس كل أهلها ما بين المطرقة والسندان فضاع رأسمالي وخسرت عملي وضاعت مدخراتي وأفلست فخرجت في ما خرجت فيه أبحث عن الخلاص...بعد 47 سنة وبعد يوم عمل شاق، رنَّ جوالي الذي يحتوى على شريحة جديدة لم يألفها ولم تألفه بعد وعليها كتابات لاتينية غريبة بحسب العائدية للدولة التي تنتمي اليها الشريحة...وحدثني شخص بمزيج من العربية والأرمنية والاتكليزية باللكنة الأميركية بحسب الظروف وبحسب امكانية العثور على كلمة تؤدي المعنى المطلوب وذكرني بإبريق كوكتيل الفواكه الذي كنت أعده في الشام قبل الحرب ليتحول الى القليل من الحليب ونصف حبة موز والكثير من الماء وبعض السكر بعد الحرب.
قال لي احذر من أنا...قلت لا يمكنني ذلك لأن كل مداركي العقلية وحواسي تعمل بالقدر الذي تركته لي الحرب في سوريا...قال لن أقول لك ومعك وقت مفتوح لتحذر...قلت له: على رسلك يا سيدي فأنت المتصل وانت الذي يدفع...قال: لا لست أنا الذي يدفع بل هم...قلت ومن هم؟ قال: ليس قبل أن تحذر من أنا...قلت له من أصدقاء الفيس بوك فهناك بينهم الكثيرين من الأرمن...قال: لا ليس من الفيسبوك فأنا ليس لدي حساب في الفيسبوك ولا أتعامل به مطلقاً...قلت: مع أنه سهل ومفيد...قال نعم ولكنه خارج مداركي العقلية...قلت له كم عمرك؟ قال أكبر منك بسنة واحدة...قلت له في هذا العمر يصبح التعامل مع هذه الأشياء صعباً للغاية...ولكن مهلاً كيف عرفت كم هو عمري؟ ...قال لي: إحذر قلت حسناً حسناً آسف السؤال ليس في محله فأنا أضع عمري الصحيح في صفحتي على الفيسبوك ولا بد أن حضرتك عرفت عمري من صفحتي على الفيسبوك...قال: ليس مسموحاً لي بالتعامل مع الفيس بوك ولا استخدامه ولا عمل صفحة لي فيه ولا إدراج صورة لي أو لعائلتي...قلت له: لديك ثانية واحدة لتقول لي من أنت وإلا فسأكون مضطراً لإنهاء المكالمة...قال: آرديم كريكوريان.
وبعد فترة صمت طويلة قلت له: هل بعد 47 سنة من الفراق؟ ...قال: نحن متساوون في الذنب ومتعادلون في السماح والمغفرة فليغفر كل منا للآخر متنازلاً عن كامل حصته فنكون متعادلين وتنتفي الملامة...قلت له: من أين اتصلت بي؟ قال: من موبايلي...قلت أقصد من داخل البلد ام من خارجها ؟ قال: الحق معك لأنه لم يظهر على شاشتك أي رقم أليس كذلك؟ قلت له: انا أرد بدون النظر الى الرقم ولا أحب سياسة التفرقة بين المتصلين ولا أضع جوالي على الصامت نهائياً فأنا أحب الطريق الأقصر وأحب المواجهة فأرد على المتصل بي لأقول له لا تتصل بي مرة أخرى أما الفلترة وعدم الرد فهو اسلوب غريب عني.
قال لي: من أجل أي شيء أنت هنا؟ قلت: من أجل السياحة والاصطياف لأن الشام تحترق كل معالمها الأثرية وانا أحب التاريخ فتراني مضطر لممارسة السياحة والاضطلاع على التاريخ والمعالم الأثرية في البلدان الأخرى يا سيدي  فاليونان ثم السويد محطتي الأخيرة إن شاء الله، وفي البلدين كما تعلم كنز من الآثار!
قال لي: سارتب قائمة مواعيدي وأجد الوقت الكافي لألتقي بك، قلت تعال الآن، قال هذا يحتاج لإذن مسبق وموافقة...قلت له موافقة من أجل لقائي؟ قال نعم...قلت: حسناً ولكن أرجو أن لا أحظى بمقابلة جيمس بوند بعد هذا الاذن...قال: ماذا تقصد؟ قلت: بدأت أعتقد أنك جيمس بوند العائد لحكومة سيادته وليس لحكومة جلالتها...قال: ممكن ولكن مع فارق بسيط وهو أن جيمس بوند هو شخصية وهمية...أو صناعة هوليوودية بإمتياز، أما أنا فأرديم كركوريان الذي تعرفه.
وانتهت المكالمة ووعدني ارديم بأن يتصل بي من جديد...واتصل بعد 3 أيام وقال لي: لا زال دفتر مواعيدي ممتلئاً ولم أجد الوقت لمقابلتك ولم أتقدم بطلب الاذن...قلت له: خذ وقتك وعندما يحين هذا الموعد فسأحضر لك معي دفتر مواعيد جديد وجميل وصفحاته ناصعة كالثلج فتجد لإسمي مكاناً فيه!...فقال: حتى هذا فإنه غير ممكن، فأنا لا أستعمل الارشيف الورقي وبالاحرى غير مسموح لي بذلك...قلت له أنا أسمح لك...قال يا ريت...كل ارشيفي الكتروني ومراقب بدقة وغير قابل للإختراق...قال لي: سأتصل في الغد...قلت له مهلاً...كيف عثرت على رقم هاتفي هنا وهو رقم جديد لا يعرفه أحد؟ قال: سانتاكلوز حقق أمنيتي...وفي البداية سمعت أنك غادرت دمشق الى كندا ولكن فهمت أنه ليس أنت بل شقيقك الأصغر...قلت له: تشتت العائلة بعد الذي حدث في سوريا، ولكن كيف عرفت انني هنا مع أنني من الوافدين الجدد والمغادرين بعد عدة أيام إن شاء الله...قال: سانتا كلوز أخبرني...امهلني حتى اجد الوقت الكافي للذهاب اليك...قلت له: وكيف ستعرف أين أنا؟ قال: سانتاكلوز موجود والجي بي إس موجود وهناك بضعة سيارات في خدمتي...المسألة ستأخذ وقت طويل سأكون بعده في مكان ما على سطح كرتنا الأرضية...ربما يكون السويد أو أرمينيا أو كندا والله أعلم...ولا بد ان الوقت سيمر وتتخلى عن فكرة رؤيتي ليتم تأجيلها 47 سنة أخرى ولكني أعتقد بأن الله لن يمنح كلانا هذه المهلة بالمطلق، لذلك ارجوا ان تعطيني ايميلك للتواصل...قال: ستستغرب... قلت: ليس عندك ايميل ولا تستعمله...قال: الى حد ما...قلت له: تعلّم أن تفتح حساب على الجيميل فإذا كان الأمر صعباً فسأعطيك رقم ابنتي الصغيرة في الشام لتتولى تعليمك ذلك...فضحك آرديم مطولاً وقال فكرة عظيمة...فكرة عظيمة...ثم أضاف...اختصاراً للوقت افتح حضرتك حساب وهمي على الجيميل وارسله لي مع كلمة السر المتعلقة كرسالة إس إم إس...قلت سأفعل ذلك بعد انتهاء مكالمتنا.
وغاب آرديم عدة أيام ولم يتصل وظننت أنه قد غادر الى بلده ونسي الموضوع ...ولكنه لم ينس فلقد اتصل بي في وقت متأخر من ليل الخميس وقال لي: طائرتي في الغد سأغادر أثينا في تمام الواحدة وسأكون عندك في تمام الساعة الثامنة من صباح الغد الجمعة ولدينا متسع من الوقت للتحدث سألته وهل ستصل الى بيتي قال: لم يسمح لي بلقائك في بيتك بل بالقرب من بيتك سأتصل بك قبل وصولي بعشرة دقائق فتخرج لمقابلتي وأدلك على المكان الذي سنتقابل فيه...قلت له: دلني الآن قال: لا  لا  فقط قبل عشرة دقائق من الموعد المحدد الذي سيكون في الثامنة من صباح الغد.
وتعودت في سوريا بسبب الحرب ان أنام بشكل متقطع ثم تعودت ان أفيق بشكل متقطع ومنعاً لللبث فلقد اختصرت الطريق وألغيت النوم بمعنى كنت أنام بعيون مستيقظة...أما هنا فالوضع مختلف فلقد تحسنت ساعتي البيولوجية وصرت انهض في السادسة وقبل ان ينطلق منبه جوالي القديم الذي كان يزعج الاطفال في الشام لأنني كنت أضعه تحت أسرّتهم ليستيقظوا ويذهبوا الى مدارسهم التي ألغيناها من قاموسنا بعد الذي حدث للمدارس في العام الماضي بسبب الهاونات وقد تعززت قناعتنا بأننا اخترنا الطريق الصحيح بعد ان تم استهداف مدرسة الاولاد بالذات وقبلها كنيستهم ولعدة مرات ليسقط عدد من الاطفال زاروا كنيستهم الزيارة الأخيرة في نعوش بيضاء.
وأتصل آرديم في تمام الساعة الثامنة من صباح اليوم التالي...قال لي أرجو أن تكون بخير...قلت: الحمد لله بألف خير ولكن قلبي على نار بسبب قلقي على الذين تركتهم خلفي في الشام...قال: ستجتمع بهم إن عاجلاً أو آجلاً...الله كريم.
قلت له: أين أنت؟ قال على مسافة خمسة دقائق من بيتك...قلت: وكيف سأعثر عليك؟ قال: انزل من البناية التي تسكنها وخذ اليسار عليك اجتياز الرصيف حتى التقاطع...اقطع الشارع بنفس الاتجاه لا يمين ولا يسار ستجد مخرج الباركينغ العائد للمبنى الذي يحتوي على الفندق ...تابع السير الى الأمام ستجد المصبغة ثم المكتبة ... اقطع الشارع وأنظر الى الستائر البرتقالية المتدلية من النوافذ العائدة لمطعم أوركيديا ستجدني خلف نافذة من هذه النوافذ.
ـ مرحباً آرديم...اسمح لي أن أقبلك على ذقنك البيضاء هذه بعد غياب دام 47 سنة ظننت بعد ذلك أننا لن نلتقي على الاطلاق.
ـ على رسلك يا آرا  إن الذي قدّره الله سنراه فهو مكتوب على جباهنا كما كانت تقول لي جدتي آناهيد التي كنت تحبها.
ـ نعم كنت أحبها...لا بد انها في دار البقاء اليوم أليس كذلك؟
ـ بالطبع لقد سافرت معنا في العام 1966 الى الولايات المتحدة وعاشت بيننا عشر سنين وتوفيت هناك بعيدة عن أضنة مسقط رأسها ودمشق مسقط رأسي ورأس أبي ولم نتمكن من تنفيذ وصيتها فلقد كانت تريد أن تدفن في مغارة العائلة الى جوار جدي في دمشق.
ـ لا أنسى منظرها عندما أقتص منك ذلك الوحش في باحة المدرسة وتركك تحت المطر...كانت تروح وتجيء كيمامة فقدت إحدى فراخها.... رحمة الله عليها...حدثني عنك منذ لحظة سفرك من دمشق ولغاية البارحة وبالتفصيل الممل...حسناً: إصغي إذاً للقصة الكاملة.
ـ كنا كما تعرف عائلة كبيرة وكان والدي لا يستطيع الانفاق على الأسرة كلها...كنت المحرض واستطعت اقناع ابي بالهجرة الى أميركا...وركبنا الطائرة وكان مسلسل رعب ورحلة طويلة مملة ومتعبة تخللتها صلوات جدتي التي كان الرعب قد أخذ من قلبها كل مأخذ...لوس أنجيلوس كانت المحطة الأولى وعملت والدتي مع شقيقتي الكبرى في معمل خياطة أما والدي فلقد عمل في كراج لتصليح السيارات...كان الدخل كافياً وكنا نستطيع شراء ما نريد...تم نقلي من مدرستي التي أحببتها الى مدرسة أخرى بعد توصية تم إرسالها الى جهة عليا من قبل مدير مدرستي فأرسلوا في طلب والدي وكان عليّ أن أذهب منفرداً الى ولاية أخرى فرفض والدي...وحدث أمر غير متوقع فلقد قالوا لوالدي أن هذا الرفض يخلّ بشروط الهجرة وأنهم طلبوا مقابلته لإبلاغه بقرارهم وليس لأخذ رأيه...لم أكن أعرف أنني متميز وأنني أستطيع الوصول الى الحل الصحيح ذهنياً لأعقد المسائل الرياضية...ودرست وتم توجيهي الى منحى خاص...كنت أذهب لزيارة أهلي مرة كل شهر فتقلني سيارة الى المطار...وسيارة الى منزل أهلي وسمح لي فيما بعد التحدث اليهم بإستخدام الهاتف فكنت أتصل بهم انا ولا يتمكنون هم من الاتصال بي...وزادت مدة السماح فكنت أبقي في دار أهلي أسبوع كامل...كان السفر مرهقاً بالنسبة لي فأهلي في لوس انجيلوس وأنا في أمكنة متعددة...سافرت مرة لزيارة أهلي بعد عودتي من لوس انجيلوس بثلاثة أيام ...كنت أعلم أن شقيقتي الكبرى مريضة ولكنني لم أعلم بأنني في الطريق لحضور جنازتها...بكيت في جنازتها كما لم أفعل في عمري فأنا ضد البكاء ولا يمكن أن تسيطر عليّ العواطف وتعلمت أن أكون انسان بلا مشاعر ولكن في جنازة أختي تذكرت انها لم تكمل تعليمها لمساعدة أبي في تأمين لقمة العيش لنا وكانت في معمل الخياطة تتعرض لمضايقات وتعديات كانت تجابهها بصمت حتى لا تخسر عملها.
في مرحلة التعليم الجامعي كان هناك قسم يضم المتفوقين وكنا نداوم في مكان آخر لا يشبه الجامعة ومختبرات لا تشبه مختبرات الجامعة أما تحصيلي في النواحي الغير علمية فكان مضحكاً للغاية وقد تنبهوا "هم"  كنا نطلق عليهم لقب "هم" لأننا لا نعرف أسمائهم ولا نريد أن نعرفها لأنها كلها أسماء مزيفة...تنبهوا الى هذه المسألة فتعاقدوا مع طاقم من الدكاترة جاؤوا من أماكن أخرى لتصحيح هذا الخلل...حافظت على تفوقي ودخلت في المعترك فأكتشفت أنني رهن إشارتهم ومجالي هو مسافة السماح التي تتركها قيودهم...وتأخرت في مسألة الزواج لأنهم تدخلوا في هذه أيضاً فرفضوا الفتاة الأرمنية التي أحببتها...فلم أعد أفكر بالزواج، ورضخت للأمر الواقع وتزوجت من زميلة لي في القسم عرفت منها فيما بعد أنها مثلي ضحية كانت تنفذ ما يريدونه "هم" بلا تذمّر.
آسف لقد أثقلت عليك في شأن لا علاقة لك به، وأشعر أنني لم أفيدك في شيء ولكن أرجو أن تكون متأكداً بأنني أخبرتك أكثر بكثير مما هو مسموح.
قلت لرئيسي المباشر: كل شباب أميركا يذهبون لخدمة العلم بعد التعليم العالي وأنا أطلب أن أكون على قدم المساواة مع هؤلاء فأجابني أنه عليّ أن أكون متأكد من ثلاثة نواحي هامة الأولى: لا توجد عندي خدمة علم لأني سأخدم العلم في كل سنين عمري...والثانية: لا توجد حدود زمنية لإنهاء  تعليمي العالي لأن هذه الحدود ستبقى مفتوحة مدى الحياة وبلا نهاية ...والثالثة: أنني وهبت نفسي بإرادتي أو بدون إرادتي لأميركا وهذه المسألة بديهية وبلا عودة.
توفيت جدتي في العام 1976 وكنت قد انهيت تعليمي الجامعي...ذهبت لحضور جنازتها دون أن أعلم انها توفيت...كنت أقضي معظم اجازاتي برفقتها ...وكانت بالنسبة لي الأم الأولى...في أيامها الأخيرة كانت تردد أسماء لأشخاص أرمن لا أعرفهم يبدوا أنهم قتلوا أو تركتهم خلفها في أضنة في رحلة الابعاد القسرية التي فيها قتل كل أفراد عائلتها كانت تتحدث عن سيمون وزوجته هيرمين وابنتيه آنوش وماريا...وعندما سألتها من هو سيمون يا جدتي؟ نظرت إلي بدهشة وقالت: كيف لا تعرف من هو سيمون يا آرديم؟ قلت لها لا أعرف يا جدتي...قالت: هذا خالي يا آرديم وكان يملك منزلاً جميلاً خلف كنيستنا...كنيسة القديس مسروب في أضنة ...رأيته يتخبط بدمه في الكنيسة وطوقته زوجته لتحاول دفع الاذى عنه فحزوا رأسه وسلخوه وفلقوا رأسها بالفأس...أما آنوش وماريا فلقد اختفيتا في الظلام...كنت اسمع صراخهما ولا أراهما.
كانت تتخيل الأشخاص وتعتبر أن الزمن قد توقف بهم فبقيوا دون أن يكبروا كانت تقول آنوش الصغيرة دون ان تدرك بأن آنوش كانت بنفس عمرها أو أكبر بقليل ووصلت جدتي الى بدايات العام 1976 ولا زالت تعتقد أن آنوش طفلة صغيرة تركتها في أضنة.
مرة سألتني: آرديم هل انهيت دراستك الجامعية؟ قلت نعم...قالت وماذا تعمل الآن؟ قلت: لا أعرف... قالت: هل عندك دكان تعمل بها؟  قلت: نعم ولكنها ليست لي بل لغيري....قالت: هل تربح المال لقاء عملك...قلت: نعم...قالت: هل تربح الكثير؟  قلت: نعم ...قالت هل تربح ما يكفي لتأخذني الى دمشق؟ قلت: نعم وليس الى دمشق بل والى أضنه...قالت: لا أريد الذهاب الى أضنة قلت: لماذا ؟ قالت: سيذبحوننا في أضنا...إذا أردت أن تحقق لي أمنيتي خذني الى دمشق وإذا متّ أرجو أن أدفن الى جوار جدك في مقبرة الارمن الارثوذوكس في دمشق.
وتوفيت ولم أحقق أمنيتيها لا الأولى ولا الثانية...هذه المرأة الفاضلة وضعت ودون أن تدري الطريق الذي سأسير في هديه لتكملة مشروع حياتي هذا المشروع الذي بدأ به أبواي دون إرادتي، وصححته هي بتفانيها وتواضعها ومحبتها لي...لا أزال حتى اللحظة أشعر بدفئ الهواء الذي كانت ترسله من فيها لتدفئ يدي الصغيرتين الباردتين المتعبتين.
الهنود يحرقون موتاهم ويرمون بالرماد المتخلف في الجانج فلا يبقى أي أثر للميت وهذا أفضل بكثير ...فأنا لست من أنصار القبور والاضرحة وأعتقد أن هذا التقليد سيزول إن عاجلاً أو آجلاً وإلا فإن كل سطح الارض سيتحوّل الى قبور.
في أول رحلة عمل ذهبت الى كوريا الجنوبية وبقيت فيها ستة أشهر وبعد كوريا ذهبت الى دول آسوية أخرى ثم الى اليابان ودول الشرق الأوسط ..
ـ هل ذهبت الى فلسطين؟
ـ تقصد اسرائيل
ـ لا لا فأنا أحب أن أسمي الأشياء بمسمياتها الصحيحة ...هذه فلسطين ولا نعرف لها أسم آخر!
ـ حسناً ولكن أنصحك بأن لا تستمر في الضحك على نفسك...
ـ إذاً فلنطلق أسم تركيا على كل الأراضي الأرمنية المحتلة ولننتهي من مقولة أرمينيا الغربية...
ـ لا أبداً فهذا مختلف!!!
وذاك مختلف يا آرديم ... هذه فلسطين وتلك أرمينيا المحتلة...إسأل جدتك أناهيد فعندها الخبر اليقين...ستقول لك أنه قبل الحروب الصليبة لم يكن هناك وجود للأتراك في كل هضبة أناتوليا...وبالعودة الى كتب التاريخ العربية الاسلامية...ودولة العرب كانت في ذاك الوقت دولة عظمى متفردة كالولايات المتحدة اليوم ولكنها تلاشت وضاعت بسبب التفرقة والكره والتشتت وضياع اللحمة والتوزع في أحزاب وشيع متقاتلة يعتقد أفرادها أنهم الأقرب الى الحق حتى تسببوا في القضاء على الدولة العربية فصارت أثر بعد عين ونهبها الغزاة وأستباحوها أرضاً وشعبا....اذا وبالعودة الى كتب التاريخ الاسلامية نجد ما يلي:
في الشرق بلاد الفرس وفي الغرب بلاد الروم وفي الوسط آرمينستان بلاد الأرمن أما الأتراك فلقد كانوا في موطنهم الأصلي... أواسط سهول منغوليا الحالية...وجاؤوا ليخطوا قدر أرمينيا المروع ودكّوا بغداد وأحرقوا مكتبتها ورموا بكتبها في دجلة والفرات وقضوا على الخلافة العباسية، ومن العبث التفريق بين الأتراك الحاليين وأجدادهم فكلهم أفخاذ وأرحام متصلة ويعودون لأصل واحد.
ـ نعم معك كل الحق في هذا التوصيف...كلهم من نبع واحد
ـ هل أوفدوك الى تركيا؟؟؟
ـ نعم بكل أسف
ـ حدثني عن ذلك إذاً.
ـ استلمت المهمة وماطلت في التوقيع عليها وذهبت لمقابلة رئيسي المباشر وقلت له...سيدي أنتم ترسلون أرمني الى بلد ليس فيها إلا قاتلوا أهله...هؤلاء ذبحوا كل أفراد عائلتي وأغتصبوا أرضي وشردوني وشردوا من بقي من أهلي...لن أنسى ذلك أبداً وسيؤثر ذلك على العمل...أجابني أن ذلك لن يؤثر على العمل، قال لي: أنت لم تعد أرمنياً منذ القسم... ويجب أن تفكر فقط بأنك أميركي وإنسان مختلف والمصلحة العليا هي لأميركا...قلت في نفسي ثلاثة أوطان أرمينيا حيث جذوري وسوريا مسقط رأسي وأميركا الحلم والأمل و...ثلاثة انتماءات وفوضى عارمة وأهواء متنازعة وأفضلية مرور لم تكن لتناسبني في أي يوم من الأيام...لا يمكن الاعتذار ولا يمكن رفض المهمة ولا التأجيل ولا المماطلة...خرجت من غرفة مديري ووضعت الرسالة التي كنت انوي تسليمها له في جيبي وفيها اقتراح بإنابة واحد من ثلاثة زملاء... وآثرت أن أخرج بصمت لأنه لا جدوى مما لا جدوى منه.
شعور لا أستطيع تفسيره إنتابني عندما كانت طائرتي تحلق في الأجواء التركية...أنا في أرمينيا الغربية الآن ينتظرني المجهول...وهذا المجهول لا يخيفني فأنا أعرف تماماً أنني وبالجنسية التي أحملها تفتح كافة الابواب وكافة المطارات أمامي...كانوا في انتظاري اتراك واميركان يتقدمهم تركي كان يعمل مع جماعتنا اقترب مني وقال لي: سيدي الحمد لله على سلامتك سيكون لي الشرف بمرافقتكم طيلة الفترة...قلت له لوحدك؟ قال بل معي اربعة من المحليين نعمل في خدمتك بالاضافة لما تم تخصيصه لمرافقتكم من جماعتكم...أنا أسمي توفيق انا متعاقد فحسب سيكون لي الشرف بمرافقتكم طيلة فترة بقائكم هنا...أهلاً وسهلاً بكم في بلدي تركيا.
ومد توفيق يده التي بقيت في الهواء...شعرت بأنه وبدون قصد مني...أنه قد شلّت يدي اليمنى فبقيت متوجهة  نحو الأرض ترفض مصافحة عدوي...وعرفت فيما بعد السبب...شُلّت يدي بعد سماع عبارة بلدي تركيا...وأنا من لا بلد له...لقيط دولي لا يجرؤ على عدم الاعتراف ببلده أحد ومن جهة أخرى لا يعترف ببلده الحقيقية أحد...الويل لي من هذا الشعور المؤلم.
تقدمت توفيق وتوجهت الى جماعتنا الذين تحركوا في مواجهتي...وفي الفندق جلست اشرب بعض الويسكي وأعبث بالفضائيات في غرفتي...توقفت امام ريبورتاج يتحدث عن الثروة المائية في الولايات الشرقية يتحدث عن فان وانا الذي يعرف فان تذكرت أغنيات ارمنية ذات صلة تذكرت أضنة وصاصون وموش وإرزروم...تذكرت جدتي تذكرت أغنية التهجير القسري أوداروتيون...هذه الاغنية التي لم تهزّ مشاعري في أي يوم من الايام...تذكرتها هنا وبكيت...في أفخم الفنادق أقبع هنا عند الورثة الغير شرعيين لأرض أجدادي...انا المنفي المشرد بعيداً عن أرضي ومزارعي وكرومي وكنائسي...جئت لمساعدتهم في أمور عظيمة وستتحقق المصلحة المشتركة للأتراك وللأميركان...ولكن لن يكون للأرمن نصيب في هذا مع انهم اصحاب الارض الأصليين...وستتحقق هذه المصلحة بيد أرمني...لقد أحسست بأنني أنوء تحت ثقل عظيم...فتحت الباب فكان توفيق يقف بالباب...قلت له: لا أريد أن أكون مراقباً من أحد يا توفيق...قال لي: حاضر يا سيدي يمكنني الابتعاد قليلاً والالتحاق بجماعتكم...ماذا؟ أين جماعتنا؟  إثنان في في الممر وثلاثة في الطابق الأول...اذهب يا توفيق أطلب لي العشاء فأنا جائع...حاضر يا سيدي سأتصل من الممر لأنه لا يمكنني الذهاب...حسناً حسناً أعرف الأوامر سأغيّر ملابسي وأوافيك بعد قليل.
خرجت وكان توفيق بإنتظاري...فوجئت بإن المصعد قد انطلق بنا الى الأعلى فسألت توفيق فقال: هذه هي الأوامر يا سيدي يجب عدم مخالطة الناس...في الطابق العلوي بار خاص لا يدخله أحد سنطلب العشاء فيتم تقديمه هناك...ودخلنا البار على ضوء الشموع وكان هناك بيانو يداعب مفاتيحه موسيقي متقدم في العمر...كان يعزف الجاز الاميركي...طلبت منه أن يتوقف فتوقف...قلت له بالتركية: انا مثلك أحب الموسيقى كثيراً ولكن ولأنني أرمني وأصلي من هنا فهل أجد في برنامجك أغنية أرمنية؟
قال: نعم يا سيدي...وبدأ بالعزف فتذكرت جدتي التي كانت تدمدم لحناً تركياً مشابهاً...كان اللحن أرمنياً والكلمات تركية...وبالطبع لم أتذكر الكلمات...وتركته يسترسل...قلت لتوفيق: تعال إجلس معي...قال: ممنوع يا سيدي...قلت: الممنوع هو مخالفة أوامري...لن يحاسبك أحد...قل لهم هو الذي أمرني بأن أفعل ذلك...
ـ وصل النادل يا سيدي
ـ حسناً ولكن هل لديكم هنا مطبخ شعبي؟
ـ نعم يا سيدي
ـ سأجرب أكلات تركية كانت تعدها لي جدتي...لنبدأ بالدولمة...هل تعرفها يا توفيق؟
ـ نعم يا سيدي...ولكنها أكلة دسمة ولا تناسب العشاء؟
ـ هذا غير مهم يا توفيق...تعوّد أن تتأقلم مع ما تريده أنت وليس مع ما يريده الناس وقوانين الناس.
ـ حسناً يا سيدي الدولما نوعين كوسا أو باذنجان محشي بالبرغل أو الأرز مع البندورة والفليفلة الشطة الحمراء واللحم المدهن...هل أطلب لحضرتك مقبلات؟ نعم ركّز على الخضار والبقول فنفسي تشتاق لزرع بلادي...أطلب لي محشي الباذنجان بالبرغل والشطة الحمراء القاسية... والمقبلات التي ترغب بها واطلب لنفسك ما تريد...ممنوع يا سيدي!!! أنت متعب يا توفيق قل لهم هذه أوامره...وماذا بالنسبة للدوسير يا سيدي؟ هل نحن في موسم المشمش؟...نعم يا سيدي، نحن في نهايات أبريل...لقد كسر ابريل ظهر الارمن يا توفيق...أطلب لي صحن من المشمش، وقطعة بقلاوة، أريد أن اقارن مذاقها مع مذاق البقلاوة التي كانت تصنعها لنا السيدة أناهيد...هل تعرف السيدة أناهيد يا توفيق؟ لا يا سيدي...السيدة أناهيد يا توفيق هي سيدة فاضلة من أضنة وهي في جوار ربها الآن...أحبها كثيراً يا توفيق لأنها كانت كل ما بقي لي من جذوري الأرمنية...السيدة آناهيد هي جدتي لأبي.
في السادسة من صباح اليوم التالي كانت الحوّامة تطير بإتجاه الشمال الشرقي...وتحمل في جوفها من جملة ما تحمل آرديم كريكوريان وبعض الرتب العالية وتوفيق وجماعته... طلبت من الطيار مرة ان يطير فوق بحيرة فان والتقطت للبحيرة ولدير الصليب المقدس مقطع فيديو وتجنبت تصوير العلم الذي تلون بلون دماء اجدادي وشعرت أن الهلال الذي يتوسطه ليس ابيض على الاطلاق وكذلك النجمة الغريبة التي لا تشبه النجوم التي أعرفها...كان هذا العلم علم دولة حليفة كما يفترض...ولكن الحقيقة في وجداني هي غير ذلك.
وصلنا الى مكان عملي وتوقعت أن صنوف الرفاهية متوفرة دوماً للأميركي...ملعب تينيس ومضمار خيل ومسابح مهجورة بسبب البرد ستكون مكتظة في الصيف، وملعب باسكيت بول وركبي ومبنى القيادة وحوله الهوائيات التي أحفظها غيباً وهناك كنت اباشر عملي وأذهب في جولات ميدانية اقود السيارة بنفسي وادخل في مناطق وعرة أخشى فيها عليها من عجلاتي...فلقد عرفت ان الوعر هناك مرقد للآلاف المؤلّفة من شعبي الذي تلاشى وتحلل في هذه الاراضي وعلى طرق الابادة...لم اتحرر من عقدة النظر الى الارض وإهمال الافق...كان ينتابني شعور مستمر وشديد الإيلام كنت أشعر أنني أقود سيارتي فوق عظام اجدادي.
ـ ماذا تفعل يا توفيق؟
ـ أحضر للإمتحانات يا سيدي.
ـ منعتك أن تخاطبني بعبارة يا سيدي لأنك تركي ولا يلزمك القانون الأميركي في شيء قل لي آرديم...نعم آرديم فحسب بلا ألقاب.
ـ حاضر يا سيدي.
ـ هات كتبك وادخل الى مكتبي...أرني ماذا تدرس؟...هذه الكتب أعرفها حق المعرفة يا توفيق فهل القصة هي كما أخمّن؟؟؟
ـ نعم يا سيدي الرياضيات والفيزياء والكيمياء موضع حبي...وانا في الجامعة الاميركية...وهناك بعض الصعوبات بسبب عدم التفرغ وعدم وجود الوقت الكافي للدراسة...لقد رسبت العام الماضي وحملت بعض المواد.
ـ سنجد طريقة جديدة يا توفيق لحملك على النجاح...سنزيد من عدد دكاترة الجامعة لديك واحد...وسيتولى هذا الواحد تعليمك بالنيابة عن الجميع وسنتدبر إعفاؤك من الحضور...هل عرفت أسم هذا الدكتور الجديد؟؟؟
ـ لا يا سيدي
ـ حسناً اسمه آرديم كريكوريان.
خمسة أيام في العمل ونعود بالحوامة مساء كل يوم جمعة الى مقر القيادة العامة للإستلام والتسليم وننطلق كل الى مكان اقامته...وبالنسبة لي لم يكن بالامكان تبديل الفندق الذي تم اختياره لي مسبقاً وكان توفيق والحراس الأربعة يتبعوني كظلي...كنا نجلس انا وتوفيق في المكتب الملحق بجناحي ندرس معاً...قلت لتوفيق أن الوسيلة الناجحة للتعلّم هي التعليم...وكان طالبي مجتهداً ومثابراً ومنفتح...وكانت الأيام تمر مسرعة... وجاء الامتحان وكان توفيق متمكنً جداً فنجح... قال لي: سيدي بقيت ثلاثة مواد سأقدمها في الفصل الاول من العام القادم لتنتهي بعدها معاناتي مع أميركا والجامعة الأميركية...فقلت له: لتأتي معاناة جديدة هي العمل والوظيفة والزوجة والاولاد...قال: لا يا سيدي...أريد العمل في الولايات المتحدة وسأتزوج من فتاة أميركية فأنا لي تفكيري الخاص واستقلاليتي.
ـ قصة رائعة ولكن كيف استطعت التغلب على النزعة التي في داخلك وكيف تركت توفيق بعد كل الذي حدث بينكما؟؟؟
ـ في الواقع لم تكن نزعة ولكن طريقة تفكير مغلوطة...لأنه لا علاقة لتوفيق ومن هم في سن توفيق بكل ما حدث لأهلنا في أرمينيا(حيث لا تزر وازرة وزر أخرى)...فكل الذين مارسوا الابادة ضد شعبنا صاروا في ذمة الله الآن بعد مرور قرن كامل على المذبحة وبالتالي فإن الجيل الجديد لا علاقة له بالدماء التي أهدرت ومسؤوليته هي الآتية...لقد ورث مالاً حراماً وهو يعلم...لقد ورث أرض أجدادنا بوحشية أجداده وبطشهم وورث أرضنا وضرعنا وحقولنا وكروم العنب وبيارات البرتقال ومدارسنا وأديرتنا وكنائسنا ونفائسنا ومالنا وذهب نسائنا وورث ما هو أخطر بكثير ... ورث دماؤنا أو جزء منها.
ماذا تقصد يا آرديم؟؟؟
آرا العزيز ...أحدثك وكأنك معي خطوة خطوة ومنذ 47 سنة وكأننا لم نفترق أبداً ...سأفترض أنك تابعت قضية مصرع الصحفي الارمني هرانت دينك....
لا تفترض بل إجزم فلقد كنت على صلة بالحادثة من الألف الى الياء وكتبت مرثية في الرجل تجاوزت المائة صفحة من القطع الكبير...وإن كنت لا زلت تتذكر اللغة العربية فسيكون لي شرف ارسالها لك على الجيميل...
لم انس العربية ولا لحظة...ولم انس دمشق ولا باب توما ولا مدرستنا ولم انساك انت رغم طول السنين... ولكي لا نذهب بعيداً كنت أسألك عن هرانت دينك وبالتحديد أريد أن أسألك هل تابعت جنازته؟؟؟
ـ نعم تابعتها من مقر آغوس مروراً بشوارع القسطنطينية الى كنيسة الارمن الارثوذوكس وحتى مقبرة الارمن...طيب هل لاحظت أمراً غريباً؟؟؟ نعم لاحظت...لا حظت أن عدد المشيعين يفوق وبمئات الاضعاف عدد كل أرمن القسطنطبنية...رائع رائع رائع حبيبي آرا أنت ذكي كعهدي بك وهنا يأتي السؤال المهم وهو...من هم هؤلاء؟...والجواب هؤلاء من أصول أرمنية ...مئات الألوف من الارمن الذين كتبت لهم الحياة بعد المجزرة كبار وصغار ونساء وأطفال في دور التيتم صاروا اتراك ولكن بالاسم فقط وليس بالروح ولا بالجسد.
هؤلاء خرجوا لتشييع هرانت دينك ليؤكدوا لنظرائهم انهم أرمن أو من أصل أرمني...من أب أرمني أجبر على التخلي عن اسمه الأرمني وعن دينه تزوج من أرمنية أجبرت على التخلي عن اسمها الأرمني وعن دينها  وأنجب اولاداً بأسماء تركية ودم أرمني كبروا وتزوجوا وانجبوا وعاشوا في نفس الشروط وعلموا أولادهم أن يعيشوا في نفس الشروط...والبقية هم ارمني من أب أرمني وأم تركية وتركي من أب تركي وأم أرمنية والأشد غاربة أن لهم أسماء حقيقية أرمنية الى جانب الأسماء التركية ويحفظون أسماء عائلاتهم وأسماء جداتهم وجدهم ويعرفون قصص المجزرة ويعرفون مصير أصولهم في المجزرة وما آلت إليه مصائرهم ويتناقلون هذه الاسماء والقصص من جيل الى جيل وهؤلاء خطرون جداً وخطرهم يتجاوز رفض قبول تركيا في الاتحاد الأوروبي...وبعد جنازة هرانت دينك استيقظت الحكومات التركية الى مسألة الأصول العرقية للأرمن وحاولت تصويب وجهة القارب خوفاً مما لا تحمد عقباه وهؤلاء هم رأسمالنا الحقيقي المعوّل عليه والتعويض المجزي لنا في كل مفاعيل الابادة وما سيتفرع عنها...أما فيما يتعلق بالشق الثاني من سؤالك فأنا لم أتخلى عن توفيق ...لقد قفل راجعاً الى بيته القريب جداً من بيتي بعد ان أوصلني الى المطار وهو سعيد بشمس ويست فيرجينيا وهوائها المنعش وتزوج من أميركية ورزق بصبي وبنت وأختار أن يرث إسمي فسمى ابنه آرديم.
بالعودة الى تركيا وما حدث لي في تركيا فلقد خالفت أوامر القيادة وذهبت بالطائرة الى أضنة واتصلت من هناك بالقيادة وطلبت اجازة لمدة ثلاثة ايام ووافقت القيادة بشرط وضعي تحت الحراسة والمراقبة من قبل جماعتنا هناك وتقييد حركتي في أضنة بحيث لا أدخل الحمّام بدون موافقة القيادة فأصغيت وقبلت مكرهاً لطالما أن هذا الاجراء لن ينزع مني حرية الحركة وسيبقى توفيق الى جانبي...في أضنا نزلنا أنا وتوفيق في فندق اختارته لنا القيادة مصادفة وكنا من شرفة جناحنا نرى الأرض التي على الضفة الأبعد لنهر جيهان وسميت هذه الارض بمرعى الجواميس حيث كانت مياه النهر تفيض في الربيع في ما يعرف بثورة الينابيع ثم تنحسر هذه المياه بعد شهر فتنبت أعشاب تتطاول بسرعة في الطمي فتأتي الجواميس لترعاها...ومرعى الجواميس هذا كان يمتد على طول ضفتي النهر وكانت حارات الأرمن ومساكنهم تقع الى خلف هذه المراعي والى الخلف من الضفة الأبعد ...وخططنا أنا وتوفيق أن نذهب الى حارات الأرمن أو ما بقي منها إن كان قد بقي منها شيء وأعلمت القيادة وطلبت الإذن خوفاً من انكشاف أمري وإلغاء إجازتي...وذهبنا ومعي من معي وعبرنا الجسر وعثرنا على بعض الشوارع المتبقية والاحجار القديمة وأماكن تم قيدها على انها ابنية ذات قيمة أثرية ولم أجد كنائس ولا صلبان ولا قبب ولا أجراس ...كل ذلك موجود ولكننا لا نعرف مكانه خاصة وان الكثير من بيوت الارمن تم هدمها واشادة ابنية حديثة في مكانها وان هناك كنائس صارت في ملكية خاصة وهي موضع نزاع مع وزارة السياحة حيث عمد اصحابها الجدد الى تسويرها وعزلها فاكتشفت انني ابحث عن ابرة في كومة قش وتركت توفيق يتحدث مع كهل يجلس على مصطبة وطال الحديث ونهض الكهل يعتكز...بصحبة توفيق...وذهبنا في حارات ملتوية ووصلنا الى باب يتوسط سور لم تبذل في بنائه أية عناية ...وقرع الكهل على الباب بعكازه ففتحت لنا الباب سيدة متوسطة العمر...ودخلنا في أرض خربة وتبعتنا المرأة وهي تقول لتوفيق التصوير ممنوع أرجوك...لا أريد مشاكل...اختصروا هذه الزيارة وغادروا المكان بأسرع وقت...فأخرجت محفظتي ووضعت في يدها ما وضعت...قالت حسناً ولكن ارجو عدم التصوير...فصرخ توفيق في وجهها وقال لها بلهجة قاسية...هذا السيد قادر وبإشارة من يده أن يضعك أنت وصاحب هذه الأرض  في سجن واحد ...اصمتي قبل أن أنال منك...والأفضل ان تذهبي من هنا على الفور.
  خطوات قليلة ولاح لنا فناء الكنيسة ولاح لنا الهيكل المحطم ونصف القبة ومشينا بخطى متباطئة...بإتجاه الكنيسة ورفعت يدي اليمنى آمر فيها توفيق بالتوقف...وتابعت لوحدي ووقفت أمام الهيكل ورفعت يدي بإتجاه السماء لأصلي فعرفت في تلك اللحظة بأنني لم أعد أذكر جملة واحدة علمتني اياها جدتي...نسيت الصلاة الربانية ونسيت السلام الملائكي وتبخر كل ذلك من ذهني...أنا آرديم الذي قُدَّ قلبه من الصخر يجد نفسه في موقف لا يشبه أي شيء لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل...فجأة تناهت الى مسامعي أصوات الهارمونيوم وأصوات جوقة الكورال الكنسي وسمعت من ينشد قدوس قدوس ايها الرب...وحاولت ان اشارك في الانشاد ففشلت وتلعثمت الكلمات في فمي وجف حلقي...ورأيت الهيكل وقد أظلم ثم ازدان بالشموع وسحرتني رائحة البخور وكانت الجوقة تنشد الصلاة الربانية...وانتهت الصلاة الربانية ورأيت الكاهن يرفع القربان المقدس ويرسم به شارة الصليب...فأغمضت عيناي وتشابكت أصابعي فشعرت بيد ترتاح على ساعدي الأيسر فأقشعر جسمي وأصبت برعب عظيم وتناهى إليّ صوت يشوبه البكاء ويقول لي...آرديم إبننا الحبيب لقد تأخرت كثيراً ولكنك جئت...الحمد لله أنك جئت ولكن بعد فوات الأوان...نعم لقد فات الأوان قل لحبيبتنا الصغيرة أناهيد أن خالها سيمون يهديها السلام...ولم أصحو مما حدث لي حتى شعرت بلمسة يد أخرى على ساعدي الأيمن وسمعت همساً بالأرمنية يقول لي: أهلاً بك يا أرديم في بيتنا الثاني، بيتنا الثاني هو هذه الكنيسة...كنيسة القديس ميسروب...في هذه الكنيسة بالذات أزهقت أرواحنا في العام 1915 ولم نكن نتوقع ان تكون نهايتنا على هذه الصورة...أنا هيرمين زوجة خالك سيمون الذي تم فصل رأسه عن جسده بخنجر معقوف...لقد وقف حكمت أفندي خلف سيمون وداس على قدمية وكان راكعا في المكان الذي تقف فيه انت الآن ويداه مقيدتان الى الخلف، وبدأ بنتف شعر لحيته وطلب منه ترديد بعض الشعائر وهو يضربه بكعب الخنجر حتى شج رأسه وسالت الدماء غزيرة فالتفت سيمون وبصق في وجه حكمت أفندي فوضع حكمت النصل على رقبة سيمون فسال الدم غزيراً ووقع سيمون على الأرض وصرخت وكان حكمت يحاول جاهداً فصل الرأس عن الجسد دون جدوى فلقد ظل الرأس عالقاً بالجسد، وكنت أصرخ وأشتم بكل ما أوتيت من قوة فترك حكمت فريسته وركض بإتجاهي يريد إغتصابي فأدخلت أصابعي في عينيه وحاولت اقتلاعهما فبادرني واحد من أصحابه بضربة فأس غارت في جمجمتي وشطرتها الى نصفين ولا زالت روحي تجوب هذا المكان تسعى للحصول على قداس جنائزي يطال كل الأرواح المتعثرة هنا ليتم بعدها العبور الى التيه الأعظم لمقابلة عظيمة نحمل اليها السؤال الأوحد وهو "لماذا أيها العادل"

وأنزلت يداي وأنا أقاوم فامسكت فتاة صغيرة بيدي اليمني وقالت أنا آنوش وامسكت فتاة أصغر بيدي اليسرى وقالت وأنا ماريا...قالت آنوش أنت ضيفنا القادم من بعيد...خذنا الى باحة الكنيسة هناك وفي أغصان شجرة المشمش تم وضع أرجوحة ليلعب عليها الأطفال كن كريماً معنا أيها العم آرديم وخذنا اليها ونظرت ناحية الهيكل فرأيت جدتي أناهيد وهي تتناول القربان المقدس وعادت بعد ان رسمت إشارة الصليب ووقعت عينها في عيني ولم تعرفني...وشعرت أن آنوش قد أفلتت يدها من يدي وتبعتها ماريا وركضوا بعيداً ...وفرغت الكنيسة من ناسها ووقعت الستارة التي كانت تفصل الهيكل عن باحة الكنيسة وكانت سوداء كالحة يتوسطها صليب ذهبي تحول الى لون الدم...وشعرت بأن جسدي لم يعد يحملني وحاولت مغادرة المكان ولم أقدر فلقد شعرت بالحالة التي شعرت بها جدتي عندما التصق الصندل الذي كانت تنتعله على البلاط بفعل الدم المتخثر ...فصرخت...توفيق...ووقعت على الأرض.
في المستشفى استيقظت على صوت راسم القلب وقلت للممرضة التي كانت تبتسم لي...أرجو إلغاء الصوت الذي يصدر عن الراسم فقالت: لقد عدت الى حالتك الطبيعية ولم تعد هناك ضرورة للراسم ولكن لن تتم ازالته إلا بعد مشاورة الطبيب...
خرجت من المشفى وعزيمتي أمضى من قبل وشعرت انني عدت الى عمر الثلاثين طلبت مني القيادة الالتحاق بعملي...فطلبت تمديد إجازتي يوم واحد فقط أذهب فيه للبحث عن عائلتي في مقبرة الأرمن في أضنة...فسمح لي باتمام الزيارة والالتحاق الفوري...فذهبت ودخلت غرفة حارس المقبرة وكان على علم بالزيارة فاقتادني عبر الممرات الى حاجز معدني دلفنا منه الى القسم المخصص للأرمن فعثرت على قبور محطمة وصلبان مكسرة وقصائد منحوتة على الشواهد وكتابات من الانجيل وكانت هذه القبور مؤرخة عن الفترة التي تمد من العام 1860 وحتى العام 1914 وفجأة عثرت على شاهدة من المرمر محطمة بالمطرقة فبدت كنيتي كريكوريان متباعدة ...فالتقطت  بعض الصور ومنيت نفسي بأنني عثرت على قبر جدنا
هذه المعلومات في عهدتك وهذه قصتي وعليك ايها الصديق ان تكون باراً بي وبأناهيد جدتي التي أحببتها أنت ...والتي بكت عندما نال مني مدير مدرستنا وتركني تحن المطر...والتي قادتني لأصل الى الضفة البعيدة لنهر جيحان حيث مرعى الجواميس وحيث كانت حارات الأرمن في أضنة ومساكنهم وكنائسهم التي صارت أثراً بعد عين...من نافذة طائرتي التي ستنطلق الى سماء أثينا سأشاهدك واتمنى لك كل الخير...آسف من اجل الذي حدث لك في عوكر ولو أن الأمر بيدي لما تركتك إلا وأنت الى جانبي مشكلتهم انهم لن ينسوا ولا في أي يوم من الأيام بأن مسقط رأس آرديم كريكوريان هو في مكان آخر غير أميركا.
آرا  سوفاليان
كاتب انساني وباحث في الشأن الأرمني

الوسوم (Tags)

فلسطين   ,  

اقرأ أيضا ...
تعليقات حول الموضوع
  0000-00-00 00:00:00   أعداء الإنسانية مازالوا يتمادون بأيادي سوداء واختلاف الأسماء والائتلاف والاعتلاف
كما يحن كل أرمني هجر أرمينيا يشعر كل أرمني هجر سوريا بالحرب القذرة التي تشبه تماما تلك المذبحة التي شتتت أجداده قبل مائة عام تقريبا والتي عانى منها الأرمن (من قبل الفجار والسفاحين والبرابرة وهم نفس الشياطين التي تدمر سوريا التي كانت الأم الحنون لجميع الأرمن المهجرين بسبب العثمانيين السفاحين وأصدقائهم المخططين المختبئين وبمساعدة المندسين )سوريا لاتفرق بين ولدها أو أي إنسان التجأ لأحضانها طالبا الأمان والسلام الذي تمثله الأرض الطيبة سوريا الحبيبة التي يقدس ويعبد ترابها الغالي كل من داسه وشرب من ينابيعه والويل لمن يدنس أرض الجنة السورية
ارميك  
  0000-00-00 00:00:00   لنتعظ من العبر ونصمد لنحيا وتحيا أجيال أصحاء
اصمدوا اصمدوا أيها السوريون الشرفاء وأنتم المنتصرون لأن الحق لايموت والصغار لايمكن أن تنسى... والكبار تموت جسديا وتحيا بنفوس الاجيال القادمة والقوية لأنها على حق
للتخلص من الوباء الإرهابي العالمي  
  0000-00-00 00:00:00   التاريخ يشهد
لكي لاتصبحوا ذكرى ياأهل سوريا اصمدوا وانتصروا على الأعداء العدو التاريخي هو واحد ومن قتل جدتي بأرمينيا هو نفسه من قتل أبناء سوريا ومن شنع باجساد أحفادنا وشنقهم وذبح أطفالهم واغتصب أمهاتهم أمام أعينهم ومن ومن وووووووو,,,,,,,,,,هو نفسه من ييهدم سوريا الحبيبة وأهلها صغارا وكبار العدو واحد بأقنعة مختلفة ومن لايصدق ليعود لتاريخ الامم والحروب والمذابح والثورات
نصيحة من مهجرين  
  0000-00-00 00:00:00   دمشق حضنتنا وستحضن كل ملهوف
مأساتك يا آرديم كريكوريان ( الإنسان ) أشبه بالخيال ! ولكنها حقيقة مؤلمة تفتت قلبَ كل إنسان . رحم الله جدتك يا آرديم التي عاشت في دمشق مسقط رأسك ورأسي أنا كاتب هذه الكلمات الدافئة - في مونتريال والبرد هنا 25 درحة تحت الصفر - من قلب مفعم بالمحبة والوطنية والولاء لأمثال جدتك . ولا تنس أن دمشق التي حضنت الملهوفين من جميع أصقاع الأرض ستبقى بياسمينها وبشرفائها الأم الحنون لروَّادها وعاشقيها وستطرد جميع العزاة كل الغزاة . لقد فعل الأتراك أفعايلَهم بشعب ومدن أرمينيا لكن فلسطين ما زالت وسيبقى إسمها فلسطين ما دامت هناك سورية تدافع عن جميع المستضفين والشرفاء
د. محمد ياسين حمودة  
هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
ملاحظة : جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا علاقة لموقع دام برس الإخباري بمحتواها
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
*
   
Copyright © dampress.net - All rights reserved 2021
Powered by Ten-neT.biz