Logo Dampress

آخر تحديث : الخميس 25 شباط 2021   الساعة 14:30:50
دام برس : http://alsham-univ.sy/
دام برس : http://www.
قضية لواء اسكندرون .. علي كيالي
دام برس : دام برس | قضية لواء اسكندرون ..  علي كيالي

دام برس:

لقد شهدت الفترة التي أعقبت إجراء الاستفتاءين الشهيرين (14 – 15 تشرين الثاني 1936), و (15 نيسان 1938), رفضاً جماهيرياً من كل أطياف لواء اسكندرون للانضمام لتركيا و أكدوا قرارهم الطبيعي بديمومية الانتماء الطبيعي لسوريا الأم. وأتى الاستفتاء الثالث الذي أنتج أغلبية ساحقة لقناعات حرة تؤكد الانتماء عينه للوطن الأم سوريا, وبعد اتفاقات تركية فرنسية قامت تركية باحتلال اللواء بقيادة العقيد الركن شكري قنتلي في (4-5 تموز 1938). في ظل هذا الاحتلال الواضح تشكلت ما يسمى بدولة هاطاي ولكن بدلاً من انتخاب ديمقراطي لنواب مجلس هذه الدولة و بتاريخ (22 تموز 1938) تم تعيين 22 نائباً من الأتراك من أصل 40 نائباً, وتوزع الـ18 نائباً الباقون على العرب من العلويين والسنيين والمسيحيين الروم والأرثوذوكس والإسماعليين, أي تم تعيينهم بغض النظر عن نتائج الاستفتاء وذلك لتغليب كتلة تركية على كتل أخرى اصغر بعد تمزيق الكتلة العربية. وهكذا توجت قوات الاحتلال الفرنسي ألاعيبها القذرة بتاج من الحراب والأشواك بدلاً من أغصان الغار و الزيتون و أتت اللمسات الأخيرة عبر اتفاق لاشرعي تركي فرنسي(ديكلاريسيون) بتاريخ (23 حزيران 1939) ليعلن وبتحدٍّ سافر ضم اللواء إلى تركيا بعد سلبه و سلخه عن الوطن الأم سورية بل حتى ضرب بعرض الحائط اتفاقية الانتداب التي تنص المادة الرابعة منها على مايلي (لايحق للدولة المنتدبة أي فرنسا التصرف تأجيراً أو تقسيماً للأرض السورية ولصالح طرف ثالث) , و بناءً على ميثاق عصبة الأمم آنذاك الذي تنص المادة الثامنة عشرة منه على وجوب توثيق أي اتفاقية تبرم بين الدول في السجلات الرسمية للأمم المتحدة رفضت الأمم المتحدة ,عصبة الأمم آنذاك الاتفاق جملةً وتفصيلاً وأعلنت عدم شرعيته ولم توثقه ,ولازال الأمر_سلخ اللواء_ غير شرعياً إلى يومنا هذا في أوساط الحقوق و الاتفاقات الدولية وحتى الديبلوماسي التركي اسماعيل صويصال يعترف بهذا السياق قائلاً ان قضية لواء اسكندرون لم تكتسب الدرجة الشرعية التي تؤهلها للحسم قانونياً لصالح تركيا في الأوساط الدولية .
إن عرب لواء اسكندرون يطالبون باستعادة هويتهم التي تعرضت وتتعرض للطمس و الأرض التي اغتصبت ومن هنا نقول : (لواء الاسكندرون منذ الأزل سوري و سيبقى سورياً و سيعود سورياً)...

لا ينسى السوريون أبداً يوم (التاسع والعشرون من تشرين الثاني 1939) باعتباره تاريخ سلخ لواء اسكندرون عن وطنه الأم سوريا. بينما يحاول الأتراك تمريرهذه الذكرى بشكل عابر وسطحي وبكثير من تغييب وتشويه الحقائق. إن تطورات الأحداث في سوريا وما يرافقها من مواقف الاستعداء السافر التي تتخذها حكومة رجب طيب أردوغان ازداد شعب اللواء المحتل تمسكاً بقضية أرضه المحقة وقضية هويته الصريحة دون لبس. وباتت إرادة وقناعات أهلنا في اللواء أكثر توأمةً ومواكبةً لإرادة و قناعات أهلهم في الوطن الأم في مناهضتهم للهجمة الامبريالية المتجددة بشراسة كما تجلّى ذلك في بدايات الأزمة حيث تزامنت المسيرات الرافضة للعدوان على سوريا في كلٍّ من الوطن الأم و لواء اسكندرون على حدٍّ سواء.

لا يخفى على أحد إهتمام الشعب السوري عن كثب بقضية لواء اسكندرون باعتباره جزءاً لا يتجزّأ من الوطن الأم سوريا. بإصرار وعزيمة وجهود لا تنفذ تصب في إبراز وجهة نظر السوريين حول استعادة الأرض بالطرق الديمقراطية وهذا ما يتجلى في عدم إزالة خريطة لواء اسكندرون من خريطة الجمهورية العربية السورية وكذلك الكم الوافر من المعلومات التي تتضمنها مناهج التعليم في سوريا حول تاريخ وعادات وتقاليد وثقافة وجغرافيا وخصائص لواء اسكندرون كمحافظة سورية ليترسخ كل ذلك في عقول الأجيال المتعاقبة ومن هنا برز شعار (لواء اسكندرون كان سورياً منذ الأزل وسيبقى سورياً وسيعود سورياً). إن تكريس هذه الذكرى لدى الأجيال المتعاقبة وتسليط الضوء على دواعي استمراريتها كمشكلة وجدانية عميقة, ومن المفيد في هذا السياق إلقاء نظرة بشكل موجز على تاريخ هذه القضية...

ما بعد الحرب العالمية الأولى:
تبدأ الأحداث مع معاهدة موندروس في (30 تشرين الأول 1918). وتنص المعاهدة على تفريق الجيوش العثمانية وتحييد سلاحها. واستناداً إلى هذه الاتفاقية تستطيع قوى دول التحالف أن تقوم بإنزال عسكري في مرفأ اسكندرون. بيّن مصطفى كمال أتاتورك بصفته قائد قوات الصاعقة في برقية أرسلها إلى أحمد عزت باشا وزير دفاع هذا القطاع عن معارضته لهذا الأمر واصفاً هذه المحاولة أنها تشكل خطراً على أمن الأناضول. وبين مصطفى كمال في برقيته أن الإنزال البحري الذي سوف يقوم به الجيش الإنكليزي على شواطئ إسكندرون لأسباب إعاشية هو مجرد كذب وذريعة مفضوحة بل يشكل ذلك خداعاً فاضحاً, حيث أن نيتهم بالقيام بهذا الأمر وبوجود مستودعات القمح في أطراف حلب يشبه تماماً حصار الجيش العثماني السادس في الموصل والإنتشار هناك. وإذا أردنا النظر عن قرب أكثر إلى هذه المرحلة سوف نرى التالي.
تم تعيين مصطفى كمال أتاتورك مرة ثانية كقائد على الجيش العثماني السابع, وكانت مدينة نابلس الفلسطينية تعتبر مقراً له. وبنتيجة الهجوم الذي شنته القوات الإنكليزية في (19 أيلول 1918) في الجبهة الفلسطينية شمال يافا بقوة قوامها 200 ألف عنصراً, تم تفكيك الجيش العثماني الثامن وأسر قسم مهم من تعداد الجيش العثماني الرابع وانسحب الجيش العثماني السابع بقيادة أتاتورك. وبهذا الانسحاب جمعت أنقاض الجيش في منطقة رياق في (30 أيلول 1918) (رياق: هي منطقة مركز عسكري للعثمانيين قريبة من دمشق وتقع شرق لبنان حالياً ) لينطلقوا ويعيدوا تجمعهم في شمال حلب. بدأ الجيش الإنكليزي بالهجوم مرة أخرى في (26 تشرين الأول 1918). وأبدى الجيش العثماني السابع مقاومة كبيرة في هذا الخط وحافظ عليه لتتشكل معالم الحدود الجنوبية للدولة التركية الحالية. بين الكاتب جمال ثريا أيدمير المعنى العميق لهذه الحالة في كتابه البيوغرافي بعنوان ’رجل وحيد‘ في جملة واحدة وهي "إغلاق طريق الأناضول" [رجل واحد – الطبعة الثامنة – الجلد 1 – صفحة 317]. وأفاد عن حقيقة التمسك بهذا الخط الاستراتيجي والحيوي لمواجهة الإمبريالية التي تحاول التسلل والإستيلاء على الأناضول. حيث سنرى أن قضية لواء اسكندرون تبدأ هنا ليس بسبب هاجس الأرض والمخاوف القومية, بل بسبب الهواجس الأمنية عسكرياً واستراتيجياً.
وبعد أربعة أيام في (30 تشرين الأول 1918) رست البارجة أكاميمنون في ميناء موندروس في جزيرة ليمني اليونانية وتم التوقيع على معاهدة موندروس, وبذلك أوقفت الدولة العثمانية الحرب مستسلمةً دون أي شروط. بعد يومين أرسل ما كان يسمى بالصدر الأعظم أحمد عزت باشا إلى أتاتورك برقية يقول فيها: «بالنظر إلى بنود معاهدة فصل القوات, فإنه حتى لو لم يمتلك الإنكليز الحق والصلاحية في احتلال لواء اسكندرون, فإنه حق طبيعي لهم أن يستخدموا مرفأ اسكندرون بهدف تأمين مؤن جيشهم في نواحي حلب وكذلك السماح لهم بترميم طريق اسكندرون حلب». [جلال بايير في كتاب له بعنوان – "bende yazdım" / "وأنا أيضاً كتبت" – الجزء 1 – صفحة 165 – وثيقة 5].
وسرعان ما رد أتاتورك على البرقية بأخرى جوابية بين فيها تحفظه معتبراً أن هناك فخ وخفايا تكمن بين تفاصيل التفسير المختلفة لشروط المعاهدة: «إن فرض الإنكليز السيطرة على الجيش العثماني السابع بذريعة تواجده في سوريا هو على غرار ما فعلوه بالجيش السادس في العراق». وتعقيباً على ذلك يقول أتاتورك: « إن حديث الإنكليز و اهتمامهم منذ عدة أيام بقيامهم بإنزال في شواطئ اسكندرون وحديثهم عن ضخ الأرزاق من هناك إلى قواتهم في حلب بالرغم من وجود ملايين الأطنان من الأرزاق في حلب, ماهو إلا ذريعة للسبب الحقيقي لاصرارهم على الاحتلال تحت مسمى آخر وهو وقوع اسكندرون على خط الحدود الفاصل بين سوريا وكيليكيا ومن ثم الانطلاق نحو هدفهم الحقيقي و هو الأناضول و احتلالها مهو ماكان يشكل في حقيقية المر أكبر هواجس أتاتورك. وإذا ما اتخذت التدابير اللازمة سوف تتفكك الجيوش وسنضطر إلى الخضوع لإمرة الإنكليز ولن نستطيع الوقوف أمام رغباتهم». [جلال بايير في كتاب له بعنوان – "bende yazdım" / "وأنا أيضاً كتبت" – الجزء 1 – صفحة 166 – وثيقة 6].
لقد طلب الإنكليز _خدمةً لمصالحهم_ السيطرة على الحدود العراقية وأصروا على احتلال الموصل واسكندرون, ما أدى إلى تعاظم الجدل واستمرار المراسلات دون إنقطاع وطلب الإيضاحات وتوجيه الأوامر. وما عدد تبادل البرقيات الذي جرى خلال عدة ساعات قليلة إلا دليل كاف على عمق المشاكل الدائرة آنذاك .أصرمصطفى كمال أتاتورك على تبيين وجهة نظره لأحمد عزت باشا, ويقول: «أؤكد لكم أن القصد ليس مد الجيش الإنكليزي في حلب بالغذاء, بل احتلال اسكندرون لقطع امدادات الجيش السابع الذي يتواجد في خط أنطاكيا-ديرجمال-أخترين والذي يتحرك على طريق إسكندرون-قرق خان-كاتيا. وبذلك يجبرونه على الرضوخ والاستسلام كما فعلوا بالجيش السادس في الموصل». [جلال بايير في كتاب له بعنوان – "bende yazdım" / "وأنا أيضاً كتبت" – الجزء 1 – صفحة 168 – وثيقة 8].
لقد صمد الجيش السابع في هذا المحور أظهر قتالاً شرساً. ولكن الإمبرياليين من خلال تفاصيل المعاهدة حاولوا نشر فعالياتهم في كل شبر أرض كالصيد في الماء العكر,. واستمروا في تنفيذ مآربهم هذه في كافة أراضي الوطن العربي, وهذا ما يؤكد أن المؤامرة الإنكليزية على لواء اسكندرون ما هي إلا جزء من مؤامرة كبرى على الوطن العربي. لقد أدرك مصطفى كمال أتاتورك وجيشه أهمية هذا المحور, وأنه في حال سقوطه سينهار أمن الأناضول, ورغم ذلك تركت جميع الأراضي العربية تحت رحمة الإنكليز والفرنسيين. فكان لواء اسكندرون كبش فداء في خضم تآمر جميع الأطراف المتكالبة على ماليس لها به أي حق.
بعد قيام أتاتورك بآخر محاولة ممكنة له اضطر للخضوع تحت ضغوط الإنكليز والصدر الأعظم, وقال: «تركت في المحور الحالي للجيش السابع مغفراً ضعيفاً جداً مع طاقمه, وسحبت القسم الأكبر من جيشي إلى داخل أراضي كيليكيا للتحرك على خط كاتما-الإصلاحية». [جلال بايير – وأنا كتبت – الجلد 1 – صفحة 169 – وثيقة 8]. وبعد أن عرف الصدر الأعظم أن أتاتورك لن يتماشى مع أوامره وإجتهاده طلب تعيين قائداً آخراً بدلاً منه, وذلك لكسب رضا الإنكليز.
وفي اليوم التالي وصلت برقية إلى الصدر الأعظم موقعة باسم مصطفى كمال أتاتورك كشخصية اعتبارية بدون ذكر لمنصبه لا تحمل عنواناً كتب فيها: «قبل يوم من الآن في (5 تشرين الثاني 1918) لقد أعلنت فيما سبق أنني سأواجه الانكليز بالنار في حال جربوا أن يدخلوا إلى اسكندرون , أما و أنه لم يتم هذا الأمر بل استكمل الانكليز انسحاب جيشهم إلى شمال خط كاتما-صوباشي فلن يكون هناك أي تهديد ضدهم و عليه أطمئنكم أنه لا توترات محتملة من شأنها أن تقلقكم». [جلال بايير في كتاب له بعنوان – "bende yazdım" / "وأنا أيضاً كتبت" – الجزء 1 – صفحة 170 – وثيقة 9].
في (7 تشرين الثاني 1918) و بشكل مخيب للآمال و بمزيد من العجز وردت برقية من الصدر الأعظم إلى أتاتورك تعكس منتهى الخنوع للإنكليز مفادها حل الجيش السابع و حل قيادة تجمع جيوش الصاعقة كما تفيد البرقية بوجوب انسحاب أتاتورك ليتم تعيينه قائداً لثكنة حربيات (ليكون مركزه الجديد) درءاً للصدام مع الانكليز وخشية من أن يقوم الانكليز بنسف معاهدة فصل القوات . وفي (8 تشرين الثاني 1918) أرسل الصدر الأعظم أحمد عزت باشا برقية إلى قيادة الجيش السابع يبين فيه عجزه الذي لا يوصف وتسليمه بالأمر ورضوخه بقوله: «إن أتاتورك بأجوبته القاسية والفظة التي أزعجت الإنكليز أدّت إلى مشاكل من الصعب إصلاحها. وذلك أدّى إلى تلقينا جواب منهم يفيد بأنهم سوف يقدمون على احتلال اسكندرون وفي حال مقاومة ذلك سوف يعتبرون الاتفاقية المبرمة بيننا لاغية». [جلال بايير في كتاب له بعنوان – "bende yazdım" / "وأنا أيضاً كتبت" – الجزء 1 – صفحة 171 – وثيقة 10].
وفي النتيجة وطأ الإنكليز في (9 تشرين الثاني 1918) والفرنسيون في (7 كانون الأول 1918) أرض لواء اسكندرون. بالنسبة لأتاتورك كان هذا الحدث أهم حدث يهز أمن الأناضول. لذلك بقيت حادثة إسكندرون حية في ذهنه , ولم يكن السبب الأرض ولا العرق ولا أي سبب آخر, بل كان لأسباب استراتيجية فقط تتعلق بأمن الأناضول.
إن المفاهيم التي أدت إلى تفاقم المشاكل , كان سببها الخشية على أمن الأناضول فقط. ولفهم ذلك بشكل أفضل نستطيع تحليل ما قاله أتاتورك بخصوص هذه الحالة بعد تلك المشكلة.

أتاتورك وقضية لواء اسكندرون:
كما يعرف أن اتفاقية لوزان هي الاتفاقية التي تنص على إقامة الجمهورية التركية. كما تعرف هذه الاتفاقية بالاتفاقية "التي جعلت التركي تركياً". ويقول أتاتورك بخصوص هذه الاتفاقية: «هذه المعاهدة عبارة عن وثيقة تفيد بإنهيار المؤامرة التي كانت تحاك منذ عصور ضد القومية التركية المدعومة بمعاهدة سيفر. فهي تحفة النصر السياسي غير المسبوق الذي يعود للعصر العثماني». [مصطفى كمال أتاتورك - 1927].
كتب مصطفى كمال أتاتورك في كتابه "النطق" في الطبعة الثانية 44 صفحة عن هذه الاتفاقية, وفي كتاباته أرسل رسالة إلى وكيل الخارجية لرئاسة الهيئة المرخصة لمعاهدة لوزان ’عصمت باشا‘ ويقول: «إن حياتكم عبارة عن سلسلة مفيدة من الخدمات المقدمة إلى هذا البلد وتوجتموها بالتوفق التاريخي. أبارككم... إن وطننا نال الصلح والاستقلال بعد نضال طويل بفضل خدماتكم اللامعة المشكورة». [مصطفى كمال أتاتورك –النطق –صفحة 750 إلى 794]. كتب السفير المتقاعد اسماعيل صوصيال نقلاً عن أتاتورك: «أنا لا أريد إلحاق سنجق (لواء اسكندرون) بتركيا». [بللتين – الطبعة XLVII – تشرين الأول 1983 – صفحة 956 – مقالة العلاقات الفرنسية التركية بين عامي 1921-1984]¨وهذا أيضاً أحد الشواهد الشتى التي تؤكد سورية اللواء و لاشرعية سلخه.
كان ينظر أتاتورك دائماً إلى قضية لواء اسكندرون من زاوية الأمن الوقائي. كرّر ذلك دائماً وأصر على أن اللواء ليست من أراضي الجمهورية التركية, حيث يقول: «ما هي هاطاي؟ إنها أمر بسيط و يمكن أن ننسحب منها في أي وقت, المشكلة بالنسبة لنا ليست مشكلة أرض بل مسألة شرف لصون أمن الجمهورية التركية فاسكندرون كخاصرة ضعيفة تهدد الأناضول بحكم كونها بوابة مؤهلة لاختراقات جيوش ,وخلاف ذلك أي عدم التمسك بلواء اسكندرون هو وصمة عار بحقنا كأتراك». [بلال شمشير – لقاءات أتاتورك مع رجال دولة أجانب– صفحة 207,202,119]. وقال للسفير الفرنسي بونسوت: «أنا لا أريد إلحاق سنجق (لواء اسكندرون) بتركيا, يجب أن يبقى السنجق تحت المراقبة المشتركة لفرنسا وتركيا, حتى لا داعي لأن يكون فيها جيش, يكفي أن يكون فيها شرطة ودرك». [مجلة بللتين – الطبعة XLVII – تشرين الأول 1983 – صفحة 987 – مقالة العلاقات الفرنسية التركية بين عامي 1921-1984]. وكان هذا مهماً لإدراك أن الاستيلاء على لواء اسكندرون لم يكن لأسباب عرقية أو تاريخية أو جغرافية من وجهة نظر أتاتورك.
بناءً على أسس هذه الاتفاقية لم يكن لواء اسكندرون ضمن حدود الجمهورية التركية أبداً. ليس فقط في هذه الاتفاقية بل بعدها أيضاً أتت سلسلة اتفاقيات وبروتوكولات أبقت الوضع كما هو. أي لم يكن لواء اسكندرون ضمن الميثاق التركي القومي على الإطلاق.

إنعدام العدالة:
كما أنه خلال التصويتين اللذين جريا أبدى شعب لواء اسكندرون بفارق كبير عدم رغبته بالافتراق عن وطنه الأم سوريا. وكان الأول في (14-15 تشرين الثاني 1936) والثاني في (15 نيسان 1938). وردّاً على ذلك عندما بدأت الإشاعات في أوربا تدور حول قيام الحرب العالمية الثانية كانت تدور لقاءات سرية بين فرنسا وتركيا وكانت أهم خطوتين خرجتا إلى العلن من هذا اللقاء هي:
الخطوة الأولى:
إحتلال اللواء بقيادة العقيد الركن شكري قنتلي في (4-5 تموز 1938). في ظل هذا الاحتلال الواضح تشكلت ما يسمى بدولة هاطاي ولكن بدلاً من انتخاب ديمقراطي لنواب مجلس دولة هاطاي, تم تعيينهم بشكل مباشر.
تم تعيين 22 نائباً من الأتراك من أصل 40 نائباً, وتوزع الـ18 نائباً الباقون على العرب من العلويين والسنيين والمسيحيين الروم والأرثوذوكس والإسماعليين, أي تم تعيينهم بغض النظر عن نتائج الاستفتاء. كانت عملية الاحتلال هذه مخالفة لجميع القوانين والمعاهدات. وبالرغم من ذلك تم الغاء دولة هاطاي المؤسسة حديثاً والتي كسبت موافقة عصبة الأمم برغم عدم تمتعها بأدنى المعطيات الموجبة كدولة.
الخطوة الثانية:
وكرصاصة رحمة لهذه التطورات تم الاتفاق على معاهدة (23 حزيران 1939). كانت أوربا على وشك أن تطلق أول رصاصة في الحرب وبعجلةٍ من الأمر تم إلحاق دولة متأسسة إلى أراضي دولة أخرى. إن هذا البروتوكول الذي جرى بين تركيا وفرنسا هو بروتوكول يفتقر إلى العدالة.
نعم انعدمت العدالة. فبعدما تم وضع سوريا ولبنان تحت إنتداب وحماية القوات الفرنسية. بموجب اتفاقية ماندترليك (اتفاقية الانتداب) التي عقدت في سان ريمون في (25 نيسان 1925) والتي من ضمن بنودها "يمنع على الدولة المنتدبة (فرنسا) إعطاء الأراضي السورية واللبنانية أو جزءٍ منها أو تأجيرها أو وضعها تحت رقابة دولة أخرى". [ عصبة الأمم – قانون الانتداب – المادة الرابعة]. كان بروتوكول (23 حزيران 1939) بين فرنسا وتركيا والذي ينص على سلخ اللواء من وطنه الأم وإلحاقه بدولة أخرى (تركيا) ما يشكل إنتهاكاً مخالفاً لهذه الاتفاقية. إن الدبلوماسيون الأتراك يعرفون هذا الموضوع جيداً ويخشون يوماً سوف تكسب فيه سوريا قضية لواء اسكندرون وتعيده إليها كحق شرعي. [مجلة بللتين – الطبعة XLVII – تشرين الأول 1983 – صفحة 956 – مقالة العلاقات الفرنسية التركية بين عامي 1921-1984].
ولفهم ذلك يجب النظر إلى التحذيرات التي قام بها الدبلوماسي الشهير في الخارجية التركية اسماعيل صويصال.

بالرغم من أن اتفاقية (23 حزيران 1939) وملحقاتها تم التصويت عليها وقبولها في مجلس البرلمان التركي في (30 حزيران 1939) بقرار رقم 3658 ثم أرسلت إلى السكرتاريا العامة. عصبة الأمم (الأمم المتحدة) لكي تقبل عصبة الأمم بتوثيق هذا القرار في سجلاتها بقبول دولي بناءً على المادة 18 لكن تم رفض القرار ولم يوثق في السجلات الرسمية للأمم المتحدة إطلاقاً. إن الخارجية التركية تعرف جيداً ماذا يعني هذا الشيء وهي تحمل قلقاً جراء ذلك إلى يومنا هذا. وعليه يجب إثارة هذه النقطة المفصلية كدليل قطعي على الحق السوري في قضية لواء اسكندرون وعودته سورياً.إن ما سنفهمه من هذا الأمر أن قضية لواء اسكندرون لم تحل ضمن الأطر القانونية. كما بقيت كمشكلة دون حل خارج نطاق الساحة الدولية والاجتماعية. سجل صويصال ملاحظة رقم 34 التي ذكرها في مؤتمر عن موضوع إلحاق اللواء بتركيا بعنوان العلاقات السياسية التركية الفرنسية بخصوص اتفاقية (23 حزيران) ويقول فيها: «تم قبول الاتفاق في 30 حزيران بإجماع عام من أعضاء البرلمان التركي بقرار يحمل الرقم 3658. [من أجل النص القانوني: ترجمة الدستور – الطبعة 3/20 – صفحة 1530]؛ ما يشكل تساؤلاً مشروعاً وصريحاً حول عدم ذكر هذه الاتفاقية في عصبة الأمم المتحدة, أي عدم شرعنتها دولياً.
وهنا أيضاً كل شيء واضح وصريح. لم تدخل عصبة الأمم الاتفاق الذي جرى بين تركيا وفرنسا بما يخص اللواء إلى حيز التنفيذ. أي دولياً لم يسمح بمرور القرار. وبطبيعة الحال تم الإفادة بأن هذه الاتفاقية وملحقاتها مخالفة للأعراف والقوانين الدولية. لأنه وبالنسبة لقانون الوكالة (الانتداب) يجب على الدولة الوكيلة المحافظة على وحدة الأراضي السورية واللبنانية. [قانون الوكالة – المادة 4].
وكما نفهم من هنا أنه تم إلحاق لواء اسكندرون بتركيا بمعاملة مخالفة للقوانين والأحكام الدولية. وعبر رئيس وزراء تلك الحقبة صراج أوغلو بكل وقاحة عن أن ما حصل هو عبارة عن اغتصاب أرض.!! وقال ذلك في حوار أجراه مع السفير الفرنسي في أنقرة رينيي ماسيكلي في (20 كانون الثاني 1939) بقوله: «من كل الأراضي السورية وضعت تركيا عينها على لواء اسكندرون فقط!». [La Turquie devant la guerra – Massigli René – باريس 1964 – صفحة 69].

هذه الكلمات تحمل في طياتها اعترافاً من لسان العدو ذاته بما لا يترك أدنى شك بأن اللواء أرض سورية. كما أن هذه الاعترافات جاءت بسبب ردة الفعل التي أبداها الشعب العربي اتجاه هذه الألاعيب التي دارت على لواء اسكندرون خوفاً من تكرارها على حلب والجزيرة وإلحاقهم إلى تركيا كما ألحقت اللواء.
خلال هذه المرحلة لم يسر أي شيء ضمن مسار ثابت. نظم شعب لواء اسكندرون مظاهرات وفعاليات ضد تركيا بسبب إلحاق اللواء بتركيا لا تقل شأناً عن العمليات التي كانوا ينظمونها ضد الاحتلال الفرنسي. نظم شعب اللواء بصفته شعب حضاري مظاهراته وفعالياته بطرق سلمية. ونظم أكبر كتل المظاهرات بتاريخه أمام هيئة عصبة الأمم. ويجب التأكيد على أن التركيبة المتنوعة لشعب لواء اسكندرون والذي يشكل فسيفساء متنوعة من العرب والأتراك والتركمان والأرمن والأكراد والعلويين والسنة والمسحيين والإسماعليين أبدوا رفضهم إلحاق لواء اسكندرون بتركيا. ولكن التوازنات الظلامية التي أديرت خلف الكواليس قبل الحرب العالمية الثانية منعت انتصار إرادة السوريين في قضيتهم المحقة في لواء اسكندرون وأفرزت هذه التوازنات امتداد الاحتلال العسكري للواء إلى إلحاقه بتركيا. بعد البروتوكول الثنائي بين تركيا وفرنسا في (23 حزيران 1939) قدم مشروع القرار إلى البرلمان التركي ذو الرقم 3658 بتاريخ (30 حزيران 1939), حيث تم قبوله في المجلس في (7 تموز 1939) وأصدر القرار رقم 3711 والذي ينص على إعتبار لواء اسكندرون محافظة من المحافظات التركية وإبتلاعه بحركة خاطفة.

هذا أهم عمل يدل على أن الجمهورية التركية هي استمرار للدولة العثمانية. أظهرت القوى العثمانية المتغلغلة في جينات الجمهورية وجهها الحقيقي بعد موت أتاتورك إبان عملية السلخ هذه. وفي هذا تحول مفصلي في التحليلات و المسميات لقضية لواء اسكندرون من قضية أمنية كما كان يزعم أتاتورك, إلى قضية احتلال أرض وسلخ واغتصاب من قبل تركيا بشكل جلي و صريح .
لقد ادعى أتاتورك أن مخططه لتأسيس الجمهورية يختلف جذرياً عن مخطط العثمانية ,حيث اعتبر أن العثمانيين ساقوا الشعب التركي خلف مطامعهم و سلطنتهم التي لم ترتكز على الاقتصاد المنتج بل على الاغتصاب لثروات الأمم الأخرى , ونحن نقترح أن تكون الجمهورية التركية كمشروع دولة منتجة باكتفاء ذاتي دون اللجوء إلى ثروات الغير و لذلك ندعو للسلام في الدولة و للسلام في العالم . برغم الصدى الرنان لهذه التصريحات المثالية فإن جمهورية تركيا حين تعافى (الرجل المريض) سرعان ما انقضت لتنهش و تقضم أرضاً سوريةً و التجأت إلى فتوحات داخلية عبر ارتكاب 19مجزرة جماعية بحق الأكراد و مجزرة كبرى في اسطنبول بحق الأقليات من الأرمن و الروم (6/7 أيلول 1955) ومن ثم التدخل بأحداث لبنان بدءاً من عام 1958 إلى يومنا هذا و ضد الثورة العراقية 1958 و مساعدة العدو الاسرائيلي في حربه ضد العرب عام 1967 و من ثم احتلال قبرص عام 1974 و ما تخلل هذه الحقبة من انقلابات عسكرية فاشية تدل على أن الجمهورية التركية هي وريث للعثمانيين بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ولذلك فإن الديكتاتور أردوغان هو صنيعة طبيعية لهذا المد غير المنقطع بل المموه بتسميات تضليلية مختلفة حسب مقتضيات المصالح التوسعية لكل مرحلة وهاهي العثمانية الجديدة تبرز قذارتها بقتل أبناء لواء اسكندرون لمجرد أنهم طالبوا بحق ديموقراطي .وهذا ما يسلط من جديد على قضية لواء اسكندرون من منطلق استمرار معاناته من جور العثمانية الجديدة قائمة كحق لأبناء اللواء في هويتهم و هوية أرضهم.

لا يتبادرن لأحد تغييب الحقيقة الساطعة. بالوثائق والأدلة هذه هي الحقيقة. تم سلخ لواء اسكندرون بالقوة العسكرية بطريقة غير شرعية مخالفة للقوانين الدولية وتفتقر للعدالة, متجاهلين بذلك الرفض الشعبي بكل استقلالية وحرية. هذه الحقيقة التي لا تقبل الجدل عبر التاريخ ومايزال هذا الظلم مستمر حتى يومنا هذا.
إن سوريا لا تنسى أرضها لواء اسكندرون بناءً على هذه الحقيقة القوية المتجذرة والبديهية.

قضية لواء اسكندرون قضيتان:
إن كاتب هذه العبارات يرى أن أبعاد ما كتب في الأعلى تتمحور كقضية أرض. ويضيف مؤكداً أن الطرف الأول والأصيل في هذه القضية هو سوريا. ويؤكد أن القضية المبدئية في نضال الحرية والديمقراطية هو مسألة الهوية العروبية للشعب. ويلفت النظر إلى أن تراكمات هذه المرحلة التي امتدت عبر 73عاماً ذات ميول اجتماعية وسياسية يجب أن تبدأ بحقوق التعليم باللغة العربية الأم والتأكيد على حقوقهم الثقافية والسياسية والاجتماعية.
بطبيعة الحال ليس من الخطأ القول أن قضية لواء اسكندرون هي قضية ذات منحيين. من جهة قضية أرض ومن جهة أخرى هي قضية الهوية. هاتان القضيتان تتسايران بشكل متوازٍ, وأحياناً أخرى تتقدم إحداهما على الأخرى حسب مقتضيات الأولوية.
وهنا يجب التأكيد للأطراف المعنية بأن القضية محقة بكل معنى الكلمة لا يمكن أن تموت لا بالضغوط ولا بالتعتيم والتستر عليها.

النتيجة:
إن الشبكات التي تلطخت يدها بدماء السوريين في يومنا هذا لا تذكر هذه الحقائق أبداً كونهم دُمىً لدى أردوغان. إن هؤلاء القتلة لم يمتلكوا أدنى شجاعة للتفوه عن هذه القضية بل سارعوا إلى تبني تتريك اللواء إذعاناً لسيدهم أردوغان وتكريساً لخيانتهم العظمى وتخليهم عن أرض الوطن الذي خانوه بطبيعة الحال. ومن الآن هم يخططون لاتفاقيات ومعاهدات لإعطاء آبار النفط في شرق البلاد للشركات الأجنبية بلا تردد. إن المؤامرة التي تحاك على سوريا وتطورات الأحداث هي أهم معطىً من معطيات خيانة الوطن.وإن المنظم والمخطط لهذه المؤامرة هو حكومة أردوغان التي أرادت أن تقتطع من لحم جارتها لتأكل, وهذه الحكومة البائدة لا تقل شأناً عن القوى الإمبريالية التي تريد تقسيم المنطقة ضمن سياق الاستمرار بخدمة الإمبريالية بإسم العثمانية الجديدة والتحضير لبنية تحتية لفتح جميع الملفات التي لم تغلق أثناء الحرب العالمية الأولى. إن تزايد اهتمام الشعب السوري بقضية لواء اسكندرون يأتي نتيجة توازنات التطورات التي تجري في سوريا ويرسخ المثل القائل "من كان بيته من زجاج لا يرمي جيرانه بالحجارة" أي أن تركيا المغتصبة لأرضنا لا يمكنها أن تقنع العالم بأنها حريصة على وطننا الأم أكثر منا نحن أبناه, والنتيجة الطبيعية أن العثمانية الجديدة ستدفع ثمن كفرها هذا باهظاً.
ومن هنا يجب أن ندعو سكان اللواء العرب السوريين الأصليين أن لا ينسوا حقوقهم الثقافية ونقول لهم "الطفل الذي لا يبكي لايطعمونه".
إن أحداث سوريا التي انعكست على تركيا أظهرت الكثير من الحقائق ونجحت بتقريبها من أعين الذين لا يعرفون الكثير من الأمور المتعلقة بهذه القضية المركزية.
يجب فهم وفك المعنى الحقيقي لردة الفعل الموحدة الناتجة عن الانعكاسات المشتركة للشعب الواحد الذي يعيش في بلدين مختلفين تجاه المشاكل التي يواجهها بسبب الظلم التاريخي المتوالي. إن ما يسمى (بعرب تركيا) هم السكان الأصليون للأرض التي يعيشون فيها. إن هذه الأرض هي أقدم جغرافيا في التاريخ والتي تعرف بإسم "سوريا". وبهذا المعنى عرب تركيا هم سوريون. لا تنسوا هذا الشيء أبداً. هذه المعرفة بعيدة كل البعد عن كل ما تتهم به من تقسيم عرقي وقومي. بل على العكس؛ تدل على المطالب المحقة ضمن مسيرة النضال في سبيل الحرية والديمقراطية. وهذه الوقفة تخدم مصالح جميع الشعوب والبلدان في سبيل تحقيق السلم والسلام.

علي كيالي

 هذا المقال الذي يعتبر وثيقة تاريخية مهدى لأرواح شهداء سوريا

الجبهة الشعبية لتحرير لواء اســكندرون _ المقاومــة الســورية
الصفحة الرسمية لأخبار المقاومة السورية _ المكتب الاعلامي

الوسوم (Tags)

سورية   ,   تركيا   ,  

اقرأ أيضا ...
هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
ملاحظة : جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا علاقة لموقع دام برس الإخباري بمحتواها
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
*
   
Copyright © dampress.net - All rights reserved 2021
Powered by Ten-neT.biz