Logo Dampress

آخر تحديث : الجمعة 17 أيلول 2021   الساعة 02:20:06
دام برس : http://alsham-univ.sy/
دام برس : http://www.
عربدة العجز وعجز العربدة .. بقلم : د. حسن أحمد حسن
دام برس : دام برس | عربدة العجز وعجز العربدة .. بقلم : د. حسن أحمد حسن

دام برس:
لاشك أن فائض القوة قد يمنح مالكه قدرة إضافية على التحدي والتعدي بآن معاً، وهذا يرتبط بطرائق التفكير التي تحكم سلوك الأفراد، وبالسياسات التي تنتهجها الدول، وعادة ما يكون فائض القوة دافعاً للعربدة حيناً ولانتهاك الأعراف والقوانين بما في ذلك القانون الدولي أحيانا أخرى، وهذا لا يعني إمكانية ربط كل عربدة أو تهور بفائض قوة، فأحياناً يكون العكس حافزاً لإظهار القوة جراء اليقين بافتقاد القدرة التي تنتجها إمكانية استثمار عوامل القوة.

وبكلام آخر قد يكون العجز دافعاً للتمرد على القوانين وميثاق المنظمة الدولية وانتهاك حقوق أو سيادة دول أخرى لإخفاء حقيقة العجز المركب الذي يعصف بالطغمة السياسية الحاكمة في هذه الدولة أو تلك، وبخاصة عندما يكون وضع حد لتلك العربدات يترك الباب مفتوحاً على العديد من السيناريوهات التي تهدد الأمن والاستقرار في منطقة جيواستراتيجية كما هو حال منطقة الشرق الأوسط، وفي هذه الحال يصبح سلوك الدول والكيانات التي تدفع الأمور نحو الهاوية أشبه ما يكون بسلوك الأفراد الإرهابيين الذين يحاولون أن يتخذوا من الناس في المكان الذي  يسيطرون عليه رهائن يساومون عليهم لضمان الحفاظ على أنفسهم أو تحقيق بعض مطالبهم التي لا يمكنهم تحقيقها في الظروف العادية، ونجاح أولئك في أية مغامرة أو مقامرة يشكل لديهم حوافز إضافية لتكرار جرائمهم كلما ساء وضعهم وتفاقم عجزهم، وما ينطبق على الأفراد ينطبق على الدول، وخير شاهد على ذلك استمرار العنتريات الأردوغانية والخليجية،  والمجاهرة بكل صفاقة بدعم العصابات الإرهابية المسلحة بهدف تقويض عوامل القوة الشاملة للدولة السورية واستنزاف قدراتها بإطالة أمد الحرب المفروضة عليها منذ قرابة أربعة أعوام.

والمتابع لسياسة حكومة العدالة والتنمية يدرك أن بعض المواقف التصعيدية ضد الدولة السورية إنما تستهدف امتصاص نقمة الشارع التركي، وبخاصة بعد أن تحولت تركيا إلى البلد الأول في قمع حرية الرأي عبر اعتقال الإعلاميين وسجنهم وحجب بعض مواقع التواصل الاجتماعي حينا، وإغلاق صحف وقنوات فضائية أحيناً أخرى، إضافة إلى إمكانية تحول الورقة الكردية التي أساء أردوغان استخدامها إلى ألسنة من لهيب متنقل ليس على الحدود مع سورية والعراق وإنما إلى الداخل التركي، وقد يكون بعض جهابذة المستشارين المحيطين بأردوغان قد نصحوه بأن استمرار التصعيد ضد الدولة السورية يريح السلطان العثماني الجديد من الكثير من الانتقادات والتداعيات التي تعصف بالداخل التركي ولكن على نار هادئة، حيث يظهر أردوغان بمظهر القادر على شق عصا الطاعة الأمريكية فيغطي تآمره المفضوح، ويزاود على المعارضة والمنتقدين، كما يمنح واشنطن مساحة أكبر للمناورة لتظهر بمظهر المعتدل قياساً بمواقف أردوغان المتصاعدة باضطراد، وبكلام آخر قد يكون هدف أردوغان من رفع سقف عدائيته لسورية بدعم العصابات الإرهابية المسلحة كداعش وغيرها هو تأجيل انفجار الداخل طالما هناك أخطار خارجية يتم تسويقها على أنها تهدد الأمن القومي التركي من دون الاقتراب من بحث الأسباب ،حيث تؤكد حقائق الواقع أن سياسة أردوغان سبب جوهري في التوتر وعدم الاستقرار في كامل المنطقة.
ما ينطبق على أنقرة يمكن سحبه على بقية عواصم الخليج المتورطة حتى نقي العظام بسفك الدم السوري، وما يميز مواقف عواصم النفط والغاز أنها أكثر حماقة، فالسعودية مصرة على الاستمرار بضخ النفط حتى وإن وصل سعر البرميل إلى عشرين دولاراً، وهنا تتجلى العقلية الجاهلية المحكومة بالحقد والانتقام، فحكام الرياض مستعدون لمراكمة الخسائر شريطة أن يخسر من لم يقبل الاشتراك بتفتيت الدولة السورية، وطالما أن السعودية تفتقر إلى جميع عوامل القوة الشاملة للدولة باستثناء القوة الاقتصادية فقد أصر أولئك على دفن الرأس في الرمال للضغط على الاقتصاد الروسي والإيراني باعتماد مبدأ علي وعلى أعدائي، وقد فات أولئك ومشغليهم أن كل دولار تخسره طهران أو موسكو يكون مقابله يتكدس في خانة الاقتصاد الصيني أحد أقطاب هذا المحور الذي بدأ يبلور معالم نظام عالمي جديد، ولا يخرج الكيان الصهيوني في حماقاته عن العثماني والخليجي، فالجميع يدرك مدى التصدع الذي يعاني منه الداخل الصهيوني، فضلا عن العزلة الدولية التي تزداد يوماً بعد آخر جراء سياسيات نتنياهو العدائية والاستعراضية بآن معا،إلى درجة  التهديد بإحراق المنطقة  للتغطية على ما يعصف بالكيان الغاصب بعد أن أثبتت وقائع الميدان أن موضوع الردع  الحاضر دائماً قد سقط وإلى غير رجعة، ولتلافي مغبة التسليم بهذه الحقيقة، وللتغطية على الجرائم اليومية المرتكبة بحق الفلسطينيين ومحاولات تهويد القدس.

وكذلك للتغطية على الانقسام الذي أدى إلى حل الكنيست والدعوة إلى انتخابات مبكرة ولضمان انشغال الداخل والخارج بلملمة تداعيات حماقات نتنياهو والحيلولة دون اشتعال النيران في المنطقة يستمر الثور المخصي بالعربدة والتحرش بسورية حيناً وتهديد بقية أطراف المقاومة حيناً آخر لكي يلهي الداخل الإسرائيلي والفلسطيني عن الرد على إخفاقاته وجرائمه وعربداته التي تهدد الأمن والاستقرار الدوليين، ومن الجدير بالذكر هنا الإشارة إلى أن التاريخ البشري زاخر بالمواعظ والعبر التي صدرها الإبداع الفكري بصور شتى وأشكال متعددة من بينها المواعظ والعبر التي ساقها على ألسنة الحيوانات كما هو الحال في كليلة ودمنة، وما شابهها في موروث الوعي المجتمعي لشعوب المنطقة وسكانها، وغالباً ما تتضمن هذه المواعظ والعبر معاني سياسية قد لا يكون التعبير المباشر عنها محبب لسبب أو لآخر فيتم تضمين المطلوب على شكل قصة أو طرفة أو فكاهة تتردد بين الناس وتنتقل ببساطة وأريحية، ومنها قصة الثور الذي عاش كما يحلو له في حظيرة أبقار، وعندما تقدم في السن عمد صاحبه إلى خصيه لترثه العجول الفتية حفاظا على عافية القطيع وضمان استمرارية إنجاب أفواج جديدة من الأبقار السليمة والقادرة على تحقيق مصالح مالكها، والغريب أن الثور المخصي بقي حريصاً على الظهور بمظهر الثور الأكثر فحولة حيث يعمد إلى متابعة الأبقار والثيران بآن معا، وعندما سأله أحد العجول الفتية لماذا يحاول اعتلاء ظهور الأبقار في موسم التلقيح وهو مخصي أجاب: أنه يتعمد ذلك كي لا تستهدفه العجول الفتية وتعلو ظهره.

ولعل هذه الحال تنطبق تماما على زعران الحارة، فمؤشرات الواقع تؤكد أن أردوغان المصر على رفع عقيرته والصراخ والتهديد والوعيد، هو على يقين بأنه أصبح عقيماً بالمعنى السياسي وعلى شتى الصعد والميادين الداخلية والإقليمية والدولية، فمشروعه الإخواني الذي كان يحلم أن يعيد عبره عربدة سلاطين آل عثمان المؤودة أصبح في خبر كان المحذوف وجوباً بعد السقوط المدوي لتجربة حكم الإخوان المسلمين في مصر، وإصراره على نطح الجدران الفولاذية برأسه الفارغ إلا من الهواء المَرَضي للأنا المتضخمة لم يسفر إلا عن مزيد من التوترات والاحتقانات داخل تركيا ومع دول الجوار، وموهبته الاحترافية في التمثيل فقدت بريقها بعد رفع الستارة عن خشبة المسرح في دافوس وسفينة مرمرة، ولم يعد أحد يصدق افتراءاته وادعاءاته الجوفاء حتى وإن كان صادقا في بعضها ، مثله كمثل الراعي الكذاب الذي تركه قومه للذئب ليأكله بعد أن سئموا تكرار كذبه وإشغالهم بتخرصات وادعاءات ما أنزل الله بها من سلطان، ولا أظن أن الإدارة الأمريكية ستكون محرجة إن تخلت عن أردوغان وغيره من الحمقى، فالبراغماتية التي تحكم السياسة الأمريكية تمنح المسؤولين الأمريكيين قدرة فائقة على تغيير المواقف واتجاه السير عندما تقتضي المصالح الأمريكية ذلك، وهذا يتطلب توافر كبش فداء بشكل دائم للتضحية به وضمان الالتفاف الآمن للقاطرة الأمريكية عند المنعطفات الحادة وبخاصة الإلزامية منها، وعندها لن يشفع لزبانية واشنطن أنهم يدروون في فلكها منذ عقود ..


للتواصل مع الكاتب:
: dr.hasanhasan@yahoo.com
dr.hasanhasan2012@gmail.com

الوسوم (Tags)
اقرأ أيضا ...
هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
ملاحظة : جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا علاقة لموقع دام برس الإخباري بمحتواها
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
*
   
Copyright © dampress.net - All rights reserved 2021
Powered by Ten-neT.biz