Logo Dampress

آخر تحديث : الجمعة 03 كانون أول 2021   الساعة 18:44:57
دام برس : http://alsham-univ.sy/
دام برس : http://www.
قراءة في تقلبات أسعار الصرف .. الدكتور ياسر المشعل
دام برس : دام برس | قراءة في تقلبات أسعار الصرف .. الدكتور  ياسر المشعل

دام برس:

مع بداية الأزمة السورية، كان سعر صرف الليرة السورية 45 ل.س/ دولار. ارتفع هذا السعر خلال الأسبوع الثالث من حزيران 2013 إلى 225 ل.س/ دولار. أي إن ارتفاع سعر الدولار أو انخفاض سعر صرف العملة السورية كان بنسبة   400%  و بعدها تدخل البنك المركزي بقوة وباع الدولار بسعر173 لمؤسسات الصرف لتقوم ببيعه ب 175 و استقر سعر الصرف في السوق غير النظامية ضمن حدود 200-195 و رغم استمرار التدخل و التثبيت لم ينجح البنك المركزي بتخفيض هذا الفارق بين السوق النظامي و السوق غير النظامي رغم ما تبع هذا التدخل من اجراءات قانونية هدفها منع التدوال بالدولار و الحد من السوق غير النظامية.  سنحاول أن نقرأ و نفسر الأسباب و نقدم افكارا للنقاش قد تحمل في طياتها حلا لازمة الصرف او تخفيفا من حدتها
يعود تدهور سعر صرف العملة الوطنية إلى اسباب ظاهرية و اسباب حقيقة كامنة. تتمثل الاسباب الظاهرية بسببين اساسيين و هما
1. زيادة عجز الموازنة الذي يؤدي بدوره إلى زيادة التمويل بالعجز (الاصدار النقدي)، وإلى ارتفاع مماثل في المستوى العام للأسعار استنادا الى النظرية الكمية في النقد ، ويؤدي في نهاية المطاف إلى انخفاض سعر صرف العملة الوطنية.  حيث أن سعر صرف العملة الوطنية يتحدد من خلال قسمة مؤشر الاسعار المحلية على مؤشر الاسعار العالمية و نظرا لارتفاع مؤشر الاسعار المحلية نتيجة زيادة الاصدار النقدي لتمويل عجز الموازنة  فيرتفع سعر الصرف و تنخفض قيمة العملة الوطنية. أي إن خفض سعر صرف العملة يجب أن يكون مساوياً لمعدّل التضخم المتحقّق. تبرّر ذلك بأن الفارق بين الأسعار المحلية والأسعار العالمية الذي يسببه التضخم المحلي، يجب أن يتم تعويضه من خلال خفض سعر صرف العملة الوطنية بنسبة مماثلة.
2. زيادة عجز ميزان المدفوعات و ذلك نتيجة تراجع الانتاج المحلي و بالتالي تراجع الصادرات و اللجوء للاستيراد لتغطية الحاجات الاساسية للاقتصاد الوطني مما يزيد من الطلب على العملات الاجنبية بغرض الاستيراد و بالتالي ارتفاع اسعار الصرف.

اما الاسباب الحقيقة الكامنة  فيمكن ايجازها بأن الاقتصاد السوري و مع بدء الازمة السياسية في سورية قد واجه ظروفاً صعبة تتمثل في انخفاض الإنتاج المحلي الناجم عن توقف الاستثمار و بالتالي  توقف عجلة الانتاج في مناطق شاسعة مما خلق  نقصاً في العرض المحلي للسلع  بالاضافة الى تراجع مستويات الطلب الكلي نتيجة انخفاض الدخل الحقيقي للافراد و انخفاض الاستثمارات و الانفاق الحكومي و زيادة عجز الميزان التجاري مما خلق توازنأ عن مستوى متدني من الدخل  و العمالة و بالتالي اصبح الركود الاقتصادي ظاهر للعيان و ارتفعت مدلات البطالة انعكس هذا الواقع على قيمة العملة الوطنية بالانخفاض و ارتفاع اسعار الصرف. و هو ما يعرف بفجوة الاقتصاد الحقيقي فمع توسع هذه الفجوة يتوسع عجز الموازنة و عجز ميزان المدفوعات و بالتالي تزداد الضغوط على سعر الصرف. فمصدر الاسباب الظاهرية هي في السبب الحقيقي الناجم عن تراجع الانتاج بشكل كبير و تراجع معدلات الاستثمار و معدلات التشغيل.
شهدت الحقبة الأولى من الأزمة، عمليات هروب من الليرة السورية، و بات الحديث عن ازمة خوف تحولت لازمة ثقة و انخفاض مصداقية السلطة النقدية نتيجة عدم جدوى الاجراءات  كان من شأنها التسبّب بانهيار سعر صرف الليرة. و استمرت السلطة النقدية بمواجهه الطلب الكثيف على العملات الصعبة بعرض معاكس للدولار. مما ادخل عامل المضاربة نتيجة الاختلاف بين اسعار الصرف في السوق النظامي و السوق الموازي و توسعت الفوارق بين اسعار البيع و اسعار الشراء للعملات الاجنبية و بات القطع الاجنبي مطلوبا لذاته لانه اصبح فرصة لتحقيق الارباح مع ارتفاع معدلات البطالة. 
لا شك أن الأمور باتت اليوم أكثر صعوبة، لجهة تراجع عجلة الانتاج و توقف الاستثمارات و ارتفاع معدلات البطالة، وجفاف مصادر القطع وتزايد حاجات الدولة لتمويل إنفاقها، واندلاع موجات جديدة من الطلب على الدولار، تعكس هروباً من الليرة السورية ورغبة بتحقيق أرباح في سوق القطع. أن الطلب الذي يفتعله المتعاملون في سوق القطع، ينجح في رفع سعر الدولار، ويستدرج رد فعل من المصرف المركزي الذي يدفع بجزء من احتياطيه بائعاً إياه، بما يؤدي إلى إعادة خفض سعر الدولار إلى حين. و اصبح تحديد سعر الصرف مرهونا بالمواجهة بين المصرف المركزي وبين أوساط الأعمال في سوق القطع و لم يعد هناك اساس واقعي لتحديد اسعار الصرف حيث لا احد اليوم يستطيع تحديد سعر الصرف الطبيعي المتلائم مع الاسس الاقتصادية الحقيقة بل بات عبارة عن مواجهة بين البنك المركزي و المضاربين في سوق القطع.
يعيد خفض سعر صرف العملة الوطنية توزيع الدخل الوطني لصالح خفض الاجور الحقيقة، وقيمة كتلة الأجور التي تدفعها الدولة ويدفعها القطاع الخاص. من شأن كل رفع لسعر الصرف أن يخفض عن كاهل الاثنين معاً عبء كتلة الأجور المدفوعة. لكن ذلك يعني تحميل المواطن كلفة إضافية من خلال التسبّب بخفض قدرته الشرائية و بالتالي تخفيض معدلات الاستهلاك الكلي و تعميق الركود الاقتصادي. يضاف الى هذه العوامل جميعا مجموعة من العوامل الشكلية الاخرى المتمثلة بالمضاربة من الخارج و تلاعب التجار و افساد و غيرها
يقدم هذا التحليل رؤيا معاكسة لرؤية البنك المركزي و الفريق الاقتصادي عامة عن العلاقة بين اسعار الصرف و اسعار السلع و الخدمات حيث يعتبر البنك المركزي بأن تخفيض سعر الصرف من شأنه ان يخفض من اسعار السلع و الخدمات و هو ما يعرف بآلية انتقال الاثر. و هو ما جعل سعر الصرف هدفا اساسيا للسياسة النقدية في سورية في حين أن المبدأ العام هو أن سعر الصرف هدف وسيط للسياسة النقدية فالهدف النهائي هو تخفيض اسعار السلع و الخدمات و دعم القوة الشرائية للمواطن هذا في حال توفر لدى البنك المركزي الادوات اللازمة للتأثير على اسعار السلع و الخدمات. رؤية البنك المركزي هذه صحيحة و لكن ليست كاملة. هذه الرؤيا تكون صحيحة مع وجود اقتصاد حقيق جيد و مستويات انتاج و تشغيل مرتفعة و هذا غير موجود حاليا في الاقتصاد السوري.
نلاحظ في سورية بأن هذه القناة ليست سالكة بالاتجاهين فحين ارتفاع اسعار الصرف ترتفع اسعار السلع و الخدمات بينما مع انخفاض اسعار الصرف نلاحظ بأن انخفاض المستوى العام للاسعار يكاد يكون معدوم. يجب تحليل هذه الظاهرة بالشكل الصحيح حيث أنه و نتيجة تحليلنا السابق فأن ارتفاع اسعار الصرف يتبع لارتفاع اسعار السلع و الخدمات و طالما بأن اسعار السلع مرتفعة فأن سعر الصرف لن ينخفض عن حدود معينة رغم كل التدخل الحاصل من البنك المركزي بزيادة المعروض الدولاري و هو ما ابقى على الفجوة في اسعار الصرف بين السوق النظامية و السوق الموازية (السوداء) و التي تتراواح بين 20 الى 25 ل. س. فلا يتم  ردم هذه الفجوة طالما أن المستوى العام للاسعار مرتفعا. و لكن السؤال هنا لماذا ترتفع اسعار السلع و الخدمات عند ارتفاع اسعار الصرف؟ الجواب بسيط هنا حيث انه من المعروف بأن تدخل البنك المركزي بزيادة المعروض الدولاري يساهم في فقدان العملة الوطنية لوظيفتها الاساسية و المتمثلة بوسيلة لتقييم اثمان السلع و الخدمات و بالتالي كلما زاد التدخل كلما اصبح تقييم اثمان السلع بالدولار و هنا تبدأ الحلقة الفرغة المتمثلة : ارتفاع المستوى العام للاسعار يؤدي لرفع سعر الصرف و رفع سعر الصرف يؤدي لرفع اسعار السلع و تصبع العلاقة السببية مبهمة و غير واضحة مع تراكم العوامل الاخرى المؤثرة في هذين المتغيرين.
من الواضح بأن فهماً دقيقا لاسباب تقلب اسعار الصرف يعطي فكرة واضحة عن الحلول المؤقتة و الطويلة الاجل و لكن يجب القول بأن أي حل لا بد من تضافر جهود الفريق الاقتصادي بكافة اركانه نظراُ لتراكب الظاهرة و بالتالي يجب العمل على وضع خطة متكاملة تضمن التانسيق الكام بين اركان الفريق الاقتصادي تهدف في الدى الطويل الاجل على زيادة الانتاج و العرض السلعي و تخفيض اسعار السلع و الخدمات مما يعطي امكانيه اكبر للادوات التقليدية المتعلقة باستقرار اسعار الصرف لتكون فاعلة و مؤثرة.

الدكتور  ياسر المشعل
كلية الاقتصاد – جامعة دمشق

الوسوم (Tags)

الصرف   ,  

اقرأ أيضا ...
تعليقات حول الموضوع
  0000-00-00 00:00:00   فريق شو حبيبي
فريق اركوزات انتو يا مجلس النقد وشهود زور فيكن واحد بيقدر يقول لا للحاكم اي مو لتكونوا عارفين شو صاير بالأول بعدين خود دروس بالإملاء يا دكتور
سعيد  
هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
ملاحظة : جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا علاقة لموقع دام برس الإخباري بمحتواها
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
*
   
Copyright © dampress.net - All rights reserved 2021
Powered by Ten-neT.biz