Logo Dampress

آخر تحديث : السبت 26 تشرين ثاني 2022   الساعة 15:17:38
دام برس : http://alsham-univ.sy/
دام برس : http://www.
كالينغراد.. شرارة حرب روسية أوروبية جديدة ؟ بقلم: محمد منصور
دام برس : دام برس | كالينغراد.. شرارة حرب روسية أوروبية جديدة ؟ بقلم: محمد منصور

دام برس :

من أهم التداعيات التي نجمت عن الأوضاع الحالية في أوكرانيا، ما يمكن وصفه بـ"إعادة إحياء النزاعات المرتبطة بالأراضي الأوروبية"، وعلى رأسها ملف إقليم "كالينغراد" الروسي، المطل على بحر البلطيق، والذي تحده من الشمال ليتوانيا، ومن الجنوب بولندا. هذا الإقليم، الذي ظل خلال العقود الماضية، مثالاً من أمثلة المناطق الأوروبية التي تتسم بطبيعة خاصة للغاية، سياسياً واستراتيجياً، تعاظمت أهميته بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، وخصوصاً في ظل احتمالات أدائه دور "رأس الحربة" في أي نزاع عسكري واسع النطاق بين موسكو وحلف الناتو.

وعلى الرغم من أن هذا الملف تم فتحه عدة مرات خلال أعوام ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فإن دوره في هذا الفصل من فصول الصراع في شرقي أوروبا يتسم بزخم أكبر من أي وقت مضى، بالنظر إلى موقع هذا الإقليم، وما يمتلكه من قوة عسكرية نوعية.
تاريخ حافل لإقليم تأرجح بين الدول

على الرغم من كون إقليم كالينغراد حالياً جزءاً من الاتحاد الروسي، فإنه ارتبط دوماً عبر التاريخ بدول أوروبية أخرى، على رأسها ألمانيا. بدأ تاريخ هذا الإقليم بصورة عامة في منتصف القرن الثالث عشر، عندما تم تأسيس قلعة "كونيغسبرغ" قرب مصب نهر "بريجوليا"، على يد فرسان "تيوتون" الألمان، الذين اجتاحوا أراضي جنوبي شرقي بحر البلطيق، ثم ضموا عدة مدن محيطة بهذه القلعة، ليتشكل بذلك إقليم "كونيغسبرغ" الذي ظل ضمن أراضي مقاطعة "بروسيا الشرقية" التابعة لمملكة "بروسيا" الألمانية حتى اندلاع حرب الأعوام السبعة عام 1756، التي شاركت فيها روسيا مع فرنسا والنمسا وروسيا والسويد وسكسونيا، ضد بروسيا وبريطانيا وهانوفر. وخلالها سيطر الروس على هذا الإقليم عام 1758، وظل ضمن السيطرة الروسية حتى أُعيد مرة أخرى إلى مملكة بروسيا عام 1762، وظل ضمن هذه المملكة حتى عام 1919، مع تأسيس جمهورية "فايمار"، وصولاً إلى الرايخ الألماني الثالث خلال مرحلة الحرب العالمية الثانية.

عادت موسكو وسيطرت على هذا الإقليم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، بعد أن تم الاتفاق بينها وبين سائر دول الحلفاء - في إطار اتفاقيات "بوتسدام" الموقَّعة عام 1946 - على نقل بعض الأراضي الألمانية إلى نطاق الاتحاد السوفياتي السابق، بما في ذلك هذا الإقليم الذي تم تغيير اسمه إلى الاسم الحالي - كالينغراد - تيمناً باسم رئيس اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي آنذاك، ميخائيل كالينين. عقب هذا الإجراء، بدأت السلطات السوفياتية تغيير الواقع الديمغرافي في هذا الإقليم، عبر إجبار السكان ذوي الأصول الألمانية، على مغادرته، وإحلال مواطنين سوفيات محلهم.

بانهيار الاتحاد السوفياتي أوائل تسعينيات القرن الماضي، دخل هذا الإقليم تحت السيطرة الروسية، لكنه عانى مصاعب اقتصادية كبيرة، بحيث أهملته السلطات الروسية خلال حقبة التسعينيات، وقامت بتخفيض عدد الجنود المنخرطين ضمن وحدات أسطول بحر البلطيق بنسبة تقارب 90 في المئة. وعانى هذا الإقليم معدلات فقر كبيرة على الرغم من إعلانه منطقةَ تجارة حرة عام 1993، فضلاً عن تفشي كل أشكال التجارة غير المشروعة فيه. في مطلع القرن الجديد، بدأت كل من أوروبا وروسيا النظر إلى هذا الإقليم نظرةً مغايرة تماماً لما كانت الحال عليه سابقاً.
كالينغراد عقب انهيار الاتحاد السوفياتي

بدأت أوروبا، في مطلع القرن الجديد، ملاحظة تغيرات جذرية في الرؤية الروسية لدور إقليم كالينغراد في المعادلة الأوروبية، وهذه المخاوف تزايدت بصورة أكبر اعتباراً من أيار/مايو 2004؛ أي منذ انضمام كل من بولندا وليتوانيا المجاورتين لهذا الإقليم إلى الاتحاد الأوروبي. هذه المخاوف - التي تراوحت بين الجانب السياسي والجانب الأمني العسكري - ترسخت على مدار الأعوام اللاحقة، وصولاً إلى المرحلة المعيشة حالياً.

يمكن اعتبار عام 2007، بداية تشكل الدور الجيوسياسي الحالي لإقليم كالينغراد، مع بدء تشكل الذهنية الروسية الجديدة وتعاظم اهتمام موسكو بمواطنيها الموجودين في الخارج. لذا، شرعت روسيا في حملة لتعزيز وجود مواطنيها في إقليم كالينغراد، وفي الوقت نفسه اتخاذ هذا الإقليم وسيلةً لبث الرسائل المناهضة لحلف الناتو.

هذا كان واضحاً من خلال اللهجة الحادة التي شابت كلمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال خطابه في مؤتمر ميونيخ للأمن، والذي انعقد في شباط/فبراير من العام نفسه، وحمل تحذيرات واضحة لحلف الناتو من محاولات التمدد نحو الأراضي الروسية، وأطلق حينها ما يمكن أن يوصف بأنه "مرحلة السلام البارد"، وهو توجُّه كان له، إلى جانب قرار موسكو تعليق عضويتها في هذا المؤتمر، تأثيرات أساسية في وضع إقليم كالينغراد في المعادلة الأوروبية، فلقد تحوّل هذا الإقليم إلى بؤرة حشد عسكري روسية ضد حلف الناتو، ضمن ما يعرف باسم "دبلوماسية إسكندر".

بدأت موسكو - منذ عام 2008 - التلويح بصورة دورية، بإمكان نشر الصواريخ الباليستية التكتيكية "إسكندر - أم" في أراضي إقليم كالينغراد، وهي صواريخ تمتلك القدرة على حمل شحنات نووية، ويصل مداها العملياتي إلى 500 كيلومتر. هذا التلويح كان يتلاءم بصورة طردية مع مستوى التوتر بين موسكو والعواصم الغربية، بحيث شاركت وحدات صاروخية من هذا النوع في التدريب العسكري الواسع النطاق، "زاباد"، عام 2009، الذي أُقيم جزء أساسي منه في أراضي إقليم كالينغراد. وأدّى انسحاب موسكو في آذار/مارس 2015، من اتفاقية القوات المسلحة التقليدية في أوروبا، "CFE"، إلى تكريس التمركز الدائم لهذا النوع من الصواريخ في الإقليم، والذي بدأ نظرياً عام 2016، وتم الانتهاء منه بحلول عام 2018، وتم إعلان إنهاء البنية التحتية اللازمة للتمركز الدائم لهذا النوع من الصواريخ على أراضي الإقليم، والتي تتيح للقوات الروسية أستهداف مناطق في العمق الأوروبي، منها العاصمة الألمانية برلين.

تمركُزُ هذا النوع من الصواريخ، تزامن مع حملة تحديث واضحة للمنشآت العسكرية الروسية على أراضي الإقليم، بما في ذلك المنشآت ذات الطبيعة النووية، وعلى رأسها قاعدتا "كوليكوفا" الخاصة بتخزين الذخائر والعتاد العسكري. بصورة عامة، تمثل القوة العسكرية الروسية الحالية في هذا الإقليم، عامل تهديد أساسياً امام حلف الناتو، بالنظر إلى القدرات القتالية الكبيرة التي تتمركز بصورة دائمة في أراضيه، وتنوعها بين القوة الجوية والقوة البحرية والقوة الصاروخية. جدير بالذكر أن هذا الإقليم يتضمن قاعدة "بالتييسك" البحرية، القاعدة الرئيسة لأسطول بحر البلطيق، والتي تضم مجموعة متنوعة من الوحدات البحرية المهمة، إلى جانب منظومات للدفاع الجوي والساحلي.
أهمية متعددة الأوجه لإقليم كالينغراد

لا تقتصر أهمية هذا الإقليم بالنسبة إلى روسيا على الجانب العسكري فقط، فهذا الإقليم يمثل جزءاً من الطموح الروسي إلى إكمال طوق الهيمنة على إمدادات الطاقة لأوروبا، وذلك عبر مشروع المحطة النووية "البلطيق"، التي بدأت موسكو إنشاءها في نيسان/أبريل عام 2008، في موقع على بعد 13 كيلومتراً جنوبي شرقي مدينة نيمان، شمالي شرقي الإقليم. يُنظَ      ر إلى هذا المشروع على أنه مشروع جيوسياسي، تريد موسكو من خلاله ضمان السيطرة على إمدادات الطاقة الكهربائية لدول البلطيق، ومن ناحية اخرى مواجهة مشروع ليتوانيا لبناء محطة طاقة نووية في منطقة فيساجيناس، وتأمين احتياجات الإقليم من الكهرباء، في حال قامت دول البلطيق بفصل نفسها عن شبكة الكهرباء الروسية، والربط بالشبكة الأوروبية الموحدة "ENTSO-E"، وهو ما قد يتسبب بعزل الإقليم كهربائياً عن روسيا.

على المستوى التجاري، أصبح ميناء كالينغراد نقطة مهمة من نقاط خط السكك الحديدية المارّ على طول خط الحزام والطريق، من الصين إلى أوروبا. يضم إقليم كالينغراد مصنعاً للسكك الحديدية، ويوفر الخط الحديدي الرابط بين الصين والإقليم، مروراً بكازخستان وروسيا وبيلاروسيا وليتوانيا، طريقاً تجارياً سريعاً إلى بلدان الشمال الأوروبي، يتم تسليم الشحنات مباشرة إلى السفن في ميناء الإقليم، ثم نقلها مباشرة إلى الدول الإسكندنافية أو البنلوكس أو بريطانيا، وهو ما يقلل تكاليف التشغيل والشحن.

مع بدء الهجوم الروسي على أوكرانيا، بدأ بعض الأصوات الأوروبية إعلاءَ أفكار كانت طُرحت خلال الأعوام الماضية، تتعلق بملكية هذه الدولة أو تلك لإقليم كالينغراد. آخر هذه الأصوات عبّر عنه القائد السابق للقوات البرية البولندية، الجنرال فالديمار سكشيبتشاك، الذي أدلى بتصريحات تلفزيونية مؤخراً، أكد فيها أن هذا الإقليم هو أرض بولندية. وسبق وصرّح، العام الماضي، بتصريحات مماثلة، مبنية على اعتقاد مفاده أن اتفاق "بوتسدام" منح روسيا هذا الإقليم لمدة 50 عاماً فقط، لكن حقيقة الأمر أن ألمانيا الموحدة قامت، عام 1990، بتوقيع معاهدة تسوية نهائية مع روسيا، التزمت فيها برلين عدمَ المطالبة بأيّ أراضٍ محل نزاع مع أي دولة أخرى. حقيقة الأمر أنه، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، سُجلت ملامح نشاط انفصالي داخلي في هذا الإقليم، وكذلك مطالبات من جانب دول مثل ليتوانيا، وبولندا وألمانيا بملكية هذا الإقليم.

داخلياً، يواجد تيار انفصالي محدود داخل إقليم كالينغراد، يضم مجموعات تعتنق أفكار النازية الجديدة اليمينية، مثل "حزب البلطيق الجمهوري" المحظور في روسيا، وحزبي "BARS"و "CBS". وسبق لأحد أعضاء هذا الحزب الأخير أن قام بتعليق علم ألماني على مبنى البلدية في عاصمة الإقليم في آذار/مارس 2014.

هذه الجماعات ترتبط بمجموعات يمينية في ليتوانيا وألمانيا، ويمكن استخدامها من جانب دول أوروبية، في إثارة قلاقل داخل هذا الإقليم، بصورة مماثلة لما تقوم به حالياً المجموعات النازية في أوكرانيا. يُضاف إلى هذه المجموعات، وجود بعض المجموعات الأخرى ذات التوجهات الثقافية، مثل منظمة البيت الروسي الألماني "RND"، التي تحاول المحافظة على الإرث الألماني داخل الإقليم، وهو ما تحاول موسكو مناهضته بصورة لافتة.
تحفُّز روسي للتهديدات التي تطال "رأس حربتها الأوروبية"
بدأت موسكو، من جانبها، تستشعر احتمالات لجوء الغرب إلى تفعيل ورقة إقليم كالينغراد ضدها، كما تزايدت مخاوفها بشأن علاقاتها بالإقليم، اقتصادياً وتجارياً، بعد أن أغلق الاتحاد الأوروبي مجاله الجوي أمام الرحلات الجوية الروسية، الأمر الذي أجبر الطائرات الروسية على التحليق مسافةً أطول بين الإقليم وروسيا، وهو ما قد يتسبب بزيادة أسعار السلع الغذائية في هذا الإقليم، وبالتالي تزايد احتمالات حدوث قلاقل أمنية فيه. لذاـ عمد الكرملين الى اتخاذ جملة من التدابير والإجراءات الاحترازية، على الرغم من أن إغلاق الاتحاد الأوروبي للمجال الجوي أمام روسيا لا يُعَدّ حصاراً للإقليم بالمعنى المفهوم، نظراً إلى أن موسكو لا تزال قادرة على إمداد الإقليم عبر السكك الحديدية والطرق البرية عبر ليتوانيا، وكذلك عن طريق البحر، وإن كان ذلك يتطلب مدة زمنية أطول لوصول البضائع.

عزّزت موسكو، خلال الأسابيع القليلة الماضية، إمدادات الغذاء إلى الإقليم، وأطلقت هذا الشهر سفينة جديدة، قادرة على حمل السيارات والقطارات بين الموانئ الروسية بالقرب من سانت بطرسبرغ والإقليم. على خط موازٍ، اتخذت موسكو أيضاً خطوات لضمان أمن الطاقة في الإقليم، حيث يتدفق الغاز الطبيعي الآن إلى هناك عبر خط أنابيب يمر من ليتوانيا، لكن الحكومة الروسية تخشى أن يتم إيقافه. لذلك، وضعت خططاً للاعتماد بصورة أكبر على الفحم والغاز الطبيعي المسال. وتحقيقاً لهذه الغاية، تخطط موسكو أيضاً، لتحويل بعض محطات توليد الكهرباء في الإقليم من النفط إلى الفحم، بالإضافة الى وضع مزيد من سفن الغاز الطبيعي المسال على الطريق بين روسيا والإقليم، وتم التجهيز لذلك مؤخَّراً عبر تمركز محطة عائمة لإسالة الغاز في الميناء الرئيس للإقليم.

على المستوى العسكري، تم تعزيز القوة الجوية الروسية في الإقليم، في التاسع من شباط/فبراير الماضي، بوصول خمس مقاتلات من نوع "ميغ - 31"، إلى مطار "Chkalovsk" العسكري، محمَّلة بصواريخ "كينزال" الأسرع من الصوت، والبالغ مداها 2000 كيلومتر، وهو ما يوفر للقوات الروسية القدرة على استهداف معظم الدول الأوروبية، بما في ذلك بريطانيا.

أخيراً، يمكن اعتبار تحليق أربع مقاتلات روسية، بواقع قاذفتين اثنتين من نوع "سوخوي - 24"، ومقاتلتين من نوع "سوخوي - 27"، انطلاقاً من إقليم كالينغراد أوائل الشهر الماضي، نحو جزيرة "غوتلاند" السويدية، مخترقة المجال الجوي السويدي، رسالة روسية حادة إلى كل الدول التي تريد فتح ملف هذا الإقليم، وخصوصاً أن السلطات السويدية أعلنت أن القاذفتين اللتين كانتا ضمن هذا التشكيل، كانتا تحملان قنابل نووية جوية. هذه الحادثة (وغيرها) تمثل مؤشرات واضحة على حرص موسكو على المحافظة على ورقة إقليم كالينغراد، كرأس حربة أساسية ضمن أي مواجهة محتملة مع حلف الناتو في المستقبل القريب.

اقرأ أيضا ...
هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
ملاحظة : جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا علاقة لموقع دام برس الإخباري بمحتواها
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
*
   
Copyright © dampress.net - All rights reserved 2022
Powered by Ten-neT.biz