Logo Dampress

آخر تحديث : السبت 14 كانون أول 2019   الساعة 01:40:06
دام برس : https://www.facebook.com/MTNSY/posts/2425070254194694
دام برس : http://www.
دام برس : http://alsham-univ.sy/
دام برس : http://www.alpha-syria.com/ar/products/medicines/13/%D8%A3%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D8%AA
من دمشق إلى سنغافورة .. بقلم: الدكتور محمد رقية
دام برس : دام برس | من دمشق إلى سنغافورة .. بقلم: الدكتور محمد رقية

دام برس :
لقد زرت سنغافورة لأول مرة عام 2009 بناء على الدعوة الواردة من منظمي مؤتمر اتحاد علوم الأرض الآسيو-محيطية (AOGS  ) , حيث كنت رئيس قسم المياه في المؤتمر ورئيس إحدى الجلسات العلمية مع إلقاء محاضرة عن كيفية مساهمة تقنيات الاستشعار عن بعد في دراسة موارد المياه . إن أول مايلفت نظرك عندما تطأ أرض المطار النظافة والترتيب والتنظيم الرائع لكل شيئ , مع ناطحات السحاب المميزة التي تراها من بعيد .
 كانت سنغافورة تشكل احدى الولايات الماليزية , التي تخلت عنها ماليزيا واستقلت عام 1965 . وهي عبارة عن جزيرة صغيرة مع بعض الجزر الأصغر , التي لايتجاوز مساحتها 720 كم2 , وهي تقع ضمن شبه جزيرة الملايو في منطقة جنوب شرق آسيا, بين مَضيقين يفصلانها عن كلٍّ من ماليزيا وإندونيسيا، هما مَضيقٌ جوهور، و مضيق سنغافورة. يبلُغ عدد سُكّانها حوالي 6 ملايين نسمة. تُعتبر سنغافورة من أكثر الدّول كثافةً بالسُكّان، حيث تبلغ الكثافة السُكانيّة فيها 7,797 نسمة في الكيلومتر المُربّع الواحد . و شعبها يشكل مجموعة غير متجانسة ترجع أصولها إلى الصين والهند والجزر المالاوية وغيرها.

 لقد تحولت سنغافورة خلال أقل من ستين عامًا، من جزيرة فقيرة يملؤها البعوض وبلدًا «متخلفًا»، يرزح سكَّانه في فقر مدقع، ونصفهم من الأميين و ثلثهم يفترشون الأرض على أطراف المدينة مع مستويات عالية من البطالة وأوضاع غاية في السوء ،. إلى أقوى اقتصاديات العالم ,تضاهي مستويات معيشتها الدول الأكثر تطورا" في العالم ,  حيث ارتفع معدل الدخل العام من 7 مليار عام 1960 إلى 360 مليارعام 2016 ودخل الفرد السنوي من 320 دولار إلى أكثر من 80 ألف دولار خلال نفس الفترة . وتعتبر سنغافورة  حاليا" رابع أهم مركز مالي في العالم. و مرفأها من أكثر الموانئ ازدحامًا حول العالم، متجاوزًا «مينائي هونج كونج وروتردام». أما من حيث حمولة البضائع المتداولة فقد أصبحت الثانية عالميًا كأكبر المناطق ازدحامًا، بعد «ميناء شنغهاي ومطارها من أفضل مطارات العالم .  يتمتع الناس في سنغافورة بمستوى مرتفع من المعيشة، والرعاية الاجتماعية. فهناك طبيب لكل 837 شخصًا، وسرير في مستشفى حكومي لكل 269 شخصًا.

إن أول ماركز عليه رئيس وزرائها لي كوان يو, هو حقيقة أن التعليم هو العامل الحاسم في تطوير القوى العاملة لتحقيق الأهداف الإقتصادية , حيث يُعدّ التعليم القوة العظمى التي إن امتلكتها أمةٌ سادت بين الأمم، وما جعلنا كعرب نتراجع عن قيادة العالم رغم وفرة الموارد والإمكانات، سوى غياب الاهتمام بإعداد الأجيال إعداداً جيداً يتسلحون بالعلم والمعرفة والقوة والإرادة والإيمان.
إن أنظمة التعليم تصب في خدمة أركان العملية التعليمية )المعلم، المنهاج، التلميذ، البيئة التعليمية(، فإن اختل أي ركن منها  ضعف الآخر بدرجات متفاوته. فلا نتخيل مثلا" أن نجد منهاجاً قوياً يقوم بتدريسه معلم ضعيف لا يتمكن من إيصاله للتلاميذ على الوجه المطلوب  .
أن الإنجاز الحقيقي الذي حققته هذه الجزيرة الصغيرة هو تطوير نظام تعليمي مجاني  يعتبر أحد أرقى أنظمة التعليم في العالم بلا منازع, حيث مكنها نظامها التعليمي من تكوين كفاءات و خبرات ساهمت في بناء اقتصاد البلد ونموه وتطويره.

إن سنغافورة تختار معلميها من الثلث الأفضل من خريجي المدرسة الثانوية، ويُقبل واحدٌ فقط من بين كل ثمانية متقدمين للقبول في برنامج إعداد المعلمين, وذلك بعد عملية انتقاء شاقة ومرهقة يتضمن كثيراً من الاجراءات والمقابلات الصارمة مع لجان الاختيار التي تُركّز على الميزات الشخصية التي تُكّون مدرساً جيداً، إضافة إلى مراجعات مركّزة لسجلهم الأكاديمي، ومساهمتهم تجاه مدرستهم ومجتمعهم. فالتدريس مهنة محترمة جداً في سنغافورة ليس لأن تقدير المعلمين هو جزء من الثقافة الكونفوشيوسية، بل لأن الجميع يعرفون كم هو صعب أن يصبح المرء مدرساً فبفضلهم يتبوأ طلبة سنغافورة أعلى المراتب في العالم.
أن سنغافورة نجحت نجاحاً باهراً فيما سعت إليه في إصلاح نظام التعليم لديها وتطويره، ويجدر بنا أن نذكر بعض الأسباب التي مكنت سنغافورة من تحقيق هذا النجاح الباهر في بناء منظومة تعليمية من الطراز العالمي انطلاقاً من أساس هشّ في هذا الزمن القصير:

1- اختار رئيس الوزراء لي كوان يو الأشخاص الأكفاء النزيهين في سنغافورة للعمل في الحكومة، وبذلك توفر لديه فريق عمل ناجح من الدرجة الأولى لصنع القرارات وتنفيذها.
2-. حرص لي كوان يو على اطّلاع الحكومة على طيف واسع من التجارب العالمية الرائدة والاستفادة منها قبل الشر وع في رسم سياسات حكومته.
3- تم الحرص على أن تولي البلاد رعاية خاصة لتطوير السياسات الحكيمة وتنفيذها بدقة وتأنٍ و التأكد من تلقي الطلبة "تعليم حقيقي" ومن وضع معايير عالية للتعليم، وقد تحقق ذلك عبر التركيز على المناهج الدراسية والأساليب المتّبعة في المدارس، واتخذت إجراءات أخرى لضمان اتباع المعلمين دورات تدريبية للمناهج وأساليب التدريس فارتفعت معدلات تخرج الطلبة في سنغافورة. ومع حلول نهاية الثمانينيات...اتضح أن تلك الإصلاحات كانت فوائدها كبيرة .
المرحلة التالية من تطوير التعليم كانت مبادرة "مدارس التفكير، وتنمية ثقافة التعلّم والتفكير العميق،
وقد قامت هذه المبادرة على أربعة مبادئ رئيسية:

1-. الاستناد إلى نوعية جيدة من المعلمين،  وإعادة النظر في أجورهم
2-منحت هذه المبادرة مدراء المدارس مزيداً من الاستقلالية، وقد مكّنت الاستقلالية الذاتية مدراء المدارس والمعلمين من ابتكار أساليب تعليمية تتلاءم مع بيئة مدارسهم على أفضل وجه، وتلبي احتياجات طلابهم.
 3-. تميزت هذه المبادرة بإلغاء نظام التفتيش والرقابة المدرسي واستحداث نموذج التميز المدرسي مكانه، ما سمح لمدارس التفكير بالازدهار لكونه نموذجاً تقع فيه المسؤولية والتحكم بالتطوير على عاتق المدارس.
4-. تقسيم المدارس إلى مجموعات يشرف عليها موجهون مختصون واستخدم برنامجاً على الانترنت ما أدى إلى وضع نظام المصادر المشتركة داخل المجموعة يضع فيه المعلمون أفضل دروسهم ليجري تبادلها مع الآخرين وقد شهد البرنامج تقدماً هائلاً في الأشهر الثمانية عشرة الأولى لإطلاقه، حيث وضع المعلمون نحو 41111 درس على هذا المنبر التعليمي، وأصبحت ثقافة المشاركة جزء لا يتجزأ من طبيعة المدارس في سنغافورة. ثم جرى  لاحقا"إطلاق مبادرة جديدة وهي مبادرة "تعليم أقل، تعلّم أكثر.

يشير الموقع الرسمي لوزارة التربية السنغافورية إلى الوظائف الرئيسة التي يتعهد المعلمون القيام بها، كالتالي :
 مهمتنا إبراز أفضل ما في طلابنا
نسعى لأن نكون مثاليون في أداء واجباتنا ومسؤولياتنا
 سوف نوجّه طلابنا ليكونوا مواطنين صالحين فاعلين في سنغافورة
سنستمر في التعلّم ونقل حب التعلّم لطلابنا
نسعى لكسب ثقة ودعم وتعاون أولياء الأمور والمجتمع وذلك لتمكيننا من تحقيق مهمتنا
هذا وينقسم تدريب المعلمين في سنغافورة إلى قسمين:
الأول: التدريب قبل الخدمة: وتقوم به الجامعات والمعاهد المتخصصة في إعداد المعلمين.

الثاني: التدريب أثناء الخدمة: وتقوم به وزارة التربية بالتعاون مع الجامعات والكليات التربوية ومؤسسات التدريب الخاصة. وتقدّم الوزارة أيضاً منحاً دراسية للمعلمين الذين يسعون للحصول على درجة الماجستير والدكتوراه في سنغافورة والخارج, كما يتم اختيار المعلمين المميزين لمنحهم الجوائز على المستوى الوطني وقد أعلن مؤشر دافوس لجودة التعليم بأن سنغافورة أخذت المرتبة الأولى في العالم تلتها سويسرا ثم فنلندة
يعمل القطاع العام في سنغافورة كمستثمر ومحفز للتنمية الاقتصادية وتهيئة بيئة مثالية للإبداع والابتكار؛ فالحكومة السنغافورية تمتلك اثنين من أهم صناديق الثروة السيادية  في البلاد , ولعبت شركات القطاع العام دورًا كبيرًا في الاقتصاد، فمنذ عام 2012 بلغت أعلى 6 شركات مرتبطة بالحكومة، حوالي 17% من القيمة الإجمالية للبورصة السنغافورية. كما أن هذه الشركات المملوكة للدولة كليًا أو جزئيًا، تعمل على أسس تجارية واحترفية، ولا تُمنح أية ميزة تنافسية على الشركات المملوكة للقطاع الخاص. كما تبرز هذه الشركات في قطاعات استراتيجية للاقتصاد، مثل الاتصالات والإعلام والنقل العام والدفاع والموانئ والمطارات، وكذلك البنوك والشحن والطيران والبنية التحتية والعقارات.

بدأ التصنيع بخطوات سريعه منذ أوائل الستينيات من القرن العشرين الميلادي، وأنشأت سنغافورة هيئة التنمية الاقتصادية عام 1961م للنهوض بالصناعة بصفتها العامل الأساسي للنمو الاقتصادي. وقد افتتحت مدينة جورونغ الصناعية في الجزء الغربي من الجزيرة. ويدير هذه المدينة، وحوالي عشرين منطقة صناعية أخرى، مجلس بلدية جورونغ الذي أنشئ عام 1968م.  وقد ركز البرنامج الاقتصادي في البداية على الصناعات ذات الكثافة العمالية المرتفعة للمساعدة على حل مشكلات البطالة التي سادت في أوائل الستينيات. بعد نجاح هذا البرنامج، انتقلت سنغافورة إلى الصناعات ذات المهارة العالية، ومنذ الثمانينيات من القرن العشرين، بدأت تركز على الصناعات ذات التقنية المتقدمة
في عام 1960م، أنشأت حكومة سنغافورة هيئة الإسكان والتنمية، لتوفير مساكن شعبية منخفضة التكلفة للسكان المقيمين في مساكن وضع اليد الفقيرة بوسط المدينة. وقد أقيمت هذه المساكن الجديدة في مدن سكنية تميزت بمبانيها المرتفعة وصممت وفق مفهوم المجاورات أي مثل المدن الجديدة التي أقيمت في بعض الدول الأوروبية في الخمسينيات من القرن العشرين. ويقيم في كل مجاورة سكنية من 1000 – 5000 عائلة. وتضم كل مدينة سكنية المدارس والأسواق والمتاجر وملاعب الأطفال. استمرت سنغافورة في بناء مساكن شعبية بتكلفة تقل عن سعر السوق للمساكن الخاصة. وتتميز المدن الجديدة التي أنشئت بعد ذلك بإمكانات أفضل، فقد بنيت الشقق على مستوى أرقى، ومواد بناء أفضل. 

بدأت سنغافورة في التركيز على تنمية الموارد البشرية لديها، بالإضافة إلى الاهتمام بالبنية التحتية، فقامت بإنشاء العديد من المدارس الفنية، ودفعت الشركات الأجنبية على تدريب عمالها غير المهرة في مجال «تكنولوجيا المعلومات» و«البتروكيماويات» و«الإلكترونيات». أما العمال الذين لم يتمكنوا من الحصول على وظائف صناعية، فقد ألحقتهم الحكومة في قطاع الخدمات، كالسياحة والنقل. كان لاتباع استراتيجية أن تقوم الشركات بتدريب وتثقيف القوى العاملة لديها عظيم الأثر على الاقتصاد السنغافوري .
بفضل ذلك زاد رأس المال في سنغافورة 33 مرة بحلول العام 1992،. وارتفع مستوى المعيشة بشكل مطَّرد، وزاد عدد العائلات التي انتقلت من مستوى الدخل المنخفض إلى المتوسط. وبحلول التسعينات أصبحت سنغافورة ثالث أكبر مركز لتكرير النفط في العالم، بعد  هيوستن ونوتردام   ، وثالث أكبر مركز لتجارة النفط بعد نيويورك ولندن، وأصبحت منتجًا رئيسًا للبتروكيماويات على مستوى العالم

 يعتبر النظام المصرفي في سنغافورة من النظم الأقوى في العالم، وتمتلك سنغافورة رابع أكبر سوق صرف أجنبي في العالم، بعد لندن ونيويورك وطوكيو، كما انتقلت العديد من الأصول التي كانت في سويسرا إلى سنغافورة؛
رغم أنّ سنغافورة بلد صغير المساحة إلا أنها أصبحت عملاقة" في عالم السفر والسياحة، حيث تحولت  إلى واحدة من أرقى الوجهات السياحية التي يتهافت عليها الزوّار من جميع أنحاء العالم، وتوصف بأنها البلد المفضّل لسياحة الأثرياء والمشاهير، فهي تضم باقة من أفخم وأروع القنادق والمنتجعات السياحية  وتجذب أكثر من 10 مليون زائر سنويًا.  يعمل حوالي 28% من القوة العاملة في التصنيع، و23% في التجارة، و22% في خدمات المجتمع ، و10% في النقل والتخزين والاتصالات , بالإضافة الى السياحة والتعليم وغيرها .
على الرغم من أن شعبها يتكون من مجموعات غير متجانسة من الصينيين والهنود والملاويين بشكل رئيسي مع أديان مختلفة , إلا أن ذلك لم يؤثر على تقدمها , نظرا" لاتباع سياسة تساوي الفرص والتآلف بين الأعراق , وضع الرجل المناسب في المكان المناسب , وحرية التعبير .
فهل ستستفيد بلداننا من التجربة السنغافورية

اقرأ أيضا ...
هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
ملاحظة : جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا علاقة لموقع دام برس الإخباري بمحتواها
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
*
   
Copyright © dampress.net - All rights reserved 2019
Powered by Ten-neT.biz