Logo Dampress

آخر تحديث : الاثنين 10 آب 2020   الساعة 02:01:02
دام برس : https://www.facebook.com/MTNSY/photos/a.661964340505303/2689311887770528/?type3&amptheater
دام برس : http://alsham-univ.sy/
دام برس : http://www.alpha-syria.com/ar/products/medicines/13/%D8%A3%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D8%AA
حجية البصمة الوراثية في القضاء الشرعي .. بقلم: أمل عبد الهادي مسعود
دام برس : دام برس | حجية البصمة الوراثية في القضاء الشرعي .. بقلم: أمل عبد الهادي مسعود

دام برس:

شهد العالم في النصف الثاني من القرن الماضي تطوراً علمياً هائلاً في جميع المجالات تقريباً، ولاسيما في المجال الطبي؛ فمن نقل الدم وزرع الأعضاء البشرية، إلى اكتشاف خارطة الجينات الوراثيةDNA  التي وجد فيها الطب الشرعي وسيلة مذهلة للتعرف على المجرمين واكتشاف الجرائم وحل بعض الألغاز المستعصية في نطاق القضايا الجنائية والمدنية. وبما أن البصمة الوراثية DNA  هي عبارة عن بيان بالخصائص والصفات الوراثية التي تسمح بالتعرف على الفرد وهويته فهي تشبه بطاقة الهوية الشخصية، تميزه عن غيره من الأفراد ويسمح انتقالها إلى الأجيال القادمة بإثبات النسب بين الأفراد.

ونظراً لأن قضايا النسب من أكثر الأمور أهمية في حياة الفرد والأسرة والمجتمع، فقد أحاطها المشرّع بعناية بالغة واعتبرها من النظام العام، وهي بمقتضى المادة 535 من قانون أصول المحاكمات المدنية من اختصاص المحاكم الشرعية التي خوّلها القانون سلطة البحث في دعوى النسب للسوريين كافة، المسلمين منهم وغير المسلمين.

وقد حددت الشريعة الإسلامية الحالات التي يثبت فيها النسب وطرق اثباته ونفيه، وذلك اعتماداً على النص القرآني والسنة الشريفة في المواد الواردة في الكتاب الثالث من قانون الأحوال الشخصية رقم 128 وحتى 136 منه. ومن أهم حالات ثبوت النسب وأكثرها شيوعاً النسب الناشئ عن عقد الزواج لأنه الأصل في النسب وبه يلحق الابن بأبيه، ويلتزم كل منهما بواجباته نحو الآخر. ومتى ثبت نسب الولد من أبيه بواسطة الزواج لم يعد هناك حاجة إلى إثبات النسب عن طريق الإقرار أو طريق البينة، وذلك اعتماداً على حديث روي عن النبي (ص) أنه قال: "الولد للفراش وللعاهر الحجر"، ولقوله تعالى (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله)؛ فكل زوجة تأتي بولد من زواج صحيح لا يجوز أن يتبرأ منه زوجها. ومن أسباب اكتساب النسب في الشرع والقانون العقد الفاسد والوطء بشبهة. أما الزنا فلا يثبت به نسب لأن الزنا منهى عنه في حد ذاته  لقوله تعالى (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحُرم ذلك على المؤمنين).

وأي ولد يثمر عن علاقة بين رجل وامرأة في غير تلك الحالات لا يثبت به نسب، لما للنسب من آثار بالغة الأهمية كالحق في الميراث وتحريم الزواج في حالات معينة. وعند الشك في نسب الطفل حدّد القرآن الكريم الطريقة لنفيه، وهي اللعان؛ أي رمي الزوج زوجته بالزنا بقوله تعالى: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين).

وعلى ذلك إذا نفى الرجل ابنه وتم اللعان فقد سقطت عنه نفقة الصغير ووقع الطلاق بائناً بين الزوجين فلا يحق التوارث بينهما وينسب لأمه وترثه ويرثها.

لكن هل يحق لأحد الزوجين الاستعانة بالبصمة الوراثية أو تحليل الحمض النووي لإثبات أو نفي النسب واستخدام هذه القرينة في دعواه، والاستعانة بما وصل إليه العلم من إمكانية معرفة تحليل البصمة الوراثية DNA من خلال الخريطة الجينية لمعرفة نسب الشخص لأبيه وأمه؟

في الحقيقة إن القضاء الشرعي في سورية استقر على رفض قبول فحص الحمض النووي DNA  واعتماده كوسيلة لإثبات النسب أو نفيه. وقد جاء في القرار رقم أساس 5300 قرار 2583 لعام 2005 الصادر عن محكمة النقض أنه: "لا وجه لاعتماد الفحص النووي أو الخبرة الفنية، فالنسب لا يثبت إلا بالطرق الشرعية".

وعليه، فإن إجراء فحص الحمض النووي أو عدمه لا يؤثر في دعوى النسب سلباً أو إيجاباً معتمداً في قضائه هذا على ما رسمته الشريعة الإسلامية في مسألة ثبوت النسب وإنكاره. وهو ما ذهب إليه القضاء المصري والمجمع الفقهي في دورته السادسة عشر عندما قرر: "أنه لا مانع شرعاً من الاعتماد على البصمة الوراثية في التحقيق الجنائي واعتبارها وسيلة إثبات في الجرائم التي ليس فيها حدّ شرعي وقصاص، بيد أن استعمال البصمة الوراثية في مجال النسب لا بد أن يحاط بمنتهى الحذر والحيطة والسرية. ولا بد أن تقدم النصوص والقواعد الشرعية على البصمة الوراثية، فيما يجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في مجال النسب في الحالات التالية:

1 ـ حالات التنازع على مجهول النسب بمختلف صور التنازع بسبب انتفاء الأدلة أو تساويها، أم كان بسبب الاشتراك في وطء بشهبة ونحوه.

2ـ حالات الاشتباه في المواليد في المستشفيات ومراكز رعاية الأطفال.

3ـ حالات ضياع الأطفال واختلاطهم في الحروب أو الحوادث وتعذر معرفة أهليهم أو وجود جثث لا يمكن معرفة هويتها أو بقصد التحقق من هويات المفقودين".

وإن كان بعض الفقهاء يرى أن الاعتماد على البصمة الوراثية أو الحمض النووي جائز في حال نفي النسب أو إثباته بلا تفريق ما دامت للبصمة قطعية لأن اللعان مشروط في الشرع بعدم وجود البينة لقوله تعالى (ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) ونتائج البصمة بينة قوية وقطعية فلا وجه للعان في هذه الحال ولما في ذلك من الستر على المرأة واثبات براءتها.

ومن أنصار هذا الرأي مفتي مصر السابق د. نصر فريد واصل حيث يقول: "أن للبصمة الوراثية أهمية كبرى حيث أنها دليل حسي علمي قطعي مبني على التحليل والمشاهدة وتساهم بصورة كبيرة في إظهار الحقيقة. لذلك وبحكم الأصل مباحة شرعاً لحصول النفع بها في إقرار الحقوق وإقامة العدل ولكن ضمن شروط يجب مراعاتها حتى تكون صحيحة ويؤخذ بها".   

وإذا كان البعض يرى في ما ذهب إليه القضاء السوري قد يبدو متخلفاً ومناقضاً للعلم والتطور وعودة إلى الوراء ومكتسباته وأهميته في حياتنا، إلا أن هذا الاستنتاج فيه من التسرع والتجني الكثير؛ فالمتأمل لعلة النص والحكمة الإلهية فيه يجد أن المشرع أوكل مسألة الفصل في إثبات نسب الطفل أو نفيه إلى الإيمان بالله عز وجل واليوم الآخر والخوف من عذاب يوم كان شره قمطريرا. فما فائدة كل تحاليل العالم وعلومه مع إنسان لا يثق بأن هذا الطفل هو من صلبه وكان لا يخاف الله في أمر جلل كهذا الأمر؟!  

والحقيقة يجب الإقرار بأن ما جاء في رأي مفتي مصر السابق، ومن قبله رأي بعض العلماء بخصوص هذا الموضوع، هو قراءة دقيقة للنص ودلالته وحكمة الشارع بما يحقق التوافق بين الاستفادة من التطور العلمي دون الخروج على القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية وتطبيقها على المنهج الصحيح وذلك حرصاً على مكارم الأخلاق وحفظاً للأنساب من الضياع. وحبذا لو أخذ المشرّع السوري بهذا الرأي عند تعديله لقانون الأحوال الشخصية المقترح لما فيه من فوائد فلا يترك الأخذ بهذه القرينة العلمية والقطعية للاجتهاد والرأي.   

الكاتب: القانونية أمل عبد الهادي مسعود
مصدر الخبر: SNS

الوسوم (Tags)

سورية   ,   الأطفال   ,   مصر   ,  

اقرأ أيضا ...
هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
ملاحظة : جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا علاقة لموقع دام برس الإخباري بمحتواها
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
*
   
Copyright © dampress.net - All rights reserved 2020
Powered by Ten-neT.biz