Logo Dampress

آخر تحديث : الثلاثاء 17 أيلول 2019   الساعة 17:34:22
دام برس : https://www.facebook.com/MTNSY/posts/2396094137092306
دام برس : http://www.
دام برس : http://alsham-univ.sy/
دام برس : http://www.alpha-syria.com/ar/products/medicines/13/%D8%A3%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D8%AA
الخطة الوطنية لإعادة هيكلة التعليم العالي في الهند … وإحداث الهيئة العليا للبحث العلمي في سورية لا يكفي وحده ولا بد من أداء مهامها المطلوبة
دام برس : دام برس | الخطة الوطنية لإعادة هيكلة التعليم العالي في الهند … وإحداث الهيئة العليا للبحث العلمي في سورية لا يكفي وحده ولا بد من أداء مهامها المطلوبة

دام برس :

كتب أ. د. وائل معلا - رئيس جامعة دمشق سابقاً :

استرعى انتباهي مقال نشر مؤخراً في الطبعة العالمية من المجلة الإلكترونية البريطانية «عالم الجامعات» University World News التي تعنى بأخبار التعليم العالي في جميع أنحاء العالم، في عددها الصادر بتاريخ 9 حزيران 2019. والمقال بعنوان: «خطة مودي الطموحة لإعادة هيكلة التعليم العالي وتعزيز البحوث العلمية» Ambitious Modi plan to restructure HE and boost research. وقد استعرض فيه كاتباه مسودة مشروع وزارة تنمية الموارد البشرية في الهند لسياسة تعليم وطني جديدة.
فقد كشفت وزارة تنمية الموارد البشرية في الهند هذا الأسبوع عن مشروع سياسة التعليم الوطني National Education Policy (NEP) 2019، بعد أيام فقط من حصول رئيس الوزراء ناريندرا مودي Narendra Modi على أغلبية قوية لحزب بهاراتيا جاناتا في الانتخابات الوطنية، ومنحه فترة ولاية ثانية.
تحدد الخطة الطموحة إعادة هيكلة واسعة النطاق للتعليم العالي في البلاد وتهدف إلى تعزيز ثقافة البحث في التعليم العالي من خلال إنشاء مؤسسة وطنية جديدة للبحوث العلمية.
فوفقاً لبيان حكومي، إن وثيقة السياسة التعليمية الوطنية (NEP) المؤلفة من 470 صفحة والتي تغطي السنوات الأولى والتعليم الابتدائي والثانوي وكذلك التعليم العالي «مبنية على الركائز الأساسية للتعليم العالي في الهند وهي إمكانية الوصول إلى التعليم العالي access، والمساواة equity، والجودة quality، والقدرة على تحمل التكاليف affordability، والمساءلة accountability، وسيتم مواءمتها مع أهداف التنمية المستدامة العالمية.
ويقترح بشكل خاص تعديل قانون «الحق في التعليم» في الهند Right to Education (RTE) ليصبح حتى سن 18 عامًا، ما قد يعزز بشكل كبير الأرقام المستمرة في التعليم العالي. أحد الأهداف الرئيسية للبلد هو زيادة نسبة الالتحاق الإجمالية، التي تبلغ حالياً 23% فقط، إلى 50% بحلول عام 2035. وسوف يغطي هذا القانون أيضاً التعليم في السنوات الأولى، ابتداءً من سن الثالثة. يغطي قانون «الحق في التعليم» حالياً الفئة العمرية من 6 إلى 14 عاماً.
قدِّمت الوثيقة في أول يوم عمل للحكومة الجديدة، وتضمّنت مقترحات مثيرة للاهتمام، من بينها إعادة هيكلة مؤسسات التعليم العالي إلى ثلاثة مستويات: مؤسسات النوع الأول «النوع 1» وتركِّز على الأبحاث ذات المستوى العالمي والتدريس العالي الجودة؛ ومؤسسات النوع الثاني «النوع 2» وتركِّز على التدريس العابر للتخصصات teaching across disciplines، إضافة إلى المساهمة في البحث العلمي. وتقول وثيقة سياسة التعليم الوطني إنه من المتوقع أن يكون هناك في البداية عدة مئات من جامعات «النوع 2»، وما بين 1000 إلى 2000 جامعة يتم إنشاؤها على مدار العقدين القادمين. وإذا بدأت هذه الجامعات في تحقيق جودة أعلى في مجال البحوث العلمية ومجموعة البرامج المقدمة، فقد يسعى بعضها للانضمام إلى صفوف مؤسسات النوع الأول. أمّا مؤسسات «النوع 3»، فهي عبارة عن كليات تقدِّم بشكل أساسي تعليمًا عالي الجودة يركز على التعليم الجامعي في المرحلة الجامعية الأولى.

سياسة أكثر ليبرالية وعريضة القاعدة
أكد مسؤول التعليم العالي في وزارة تنمية الموارد البشرية، أن مسودة السياسة تنصح بنظام تعليمي أكثر ليبرالية وشمولية يتيح للطلاب متابعة التعليم ذي القاعدة العريضة في السنة الأولى من برنامجهم الجامعي ثم التخصص في السنوات اللاحقة. وتنصّ مسودة وثيقة سياسة التعليم الوطني (NEP) على أن العديد من مؤسسات الدراسات العليا في جميع أنحاء العالم قد نفّذت ما نسميه اليوم «التعليم الليبرالي» من خلال مجموعة من التخصصات المختلفة والمتكاملة بشكل يتناسب والدراسة الأعمق لمجال اهتمام علمي معيّن، وهي اختصاصات تشمل الفنون والإنسانيات والرياضيات والعلوم.
ويوصي التقرير أيضاً بإنشاء هيئة تنظيم التعليم العالي الوطنية National Higher Education Regulatory Authority (NHERA) على اعتبارها الجهة المنظمة الوحيدة للتعليم العالي، بما في ذلك التعليم المهني، على الرغم من أن الحكومات السابقة حاولت وفشلت في إجراء مثل هذه الإصلاحات التنظيمية في الماضي. وقد أوصى التقرير أيضاً بالعديد من المبادرات الجديدة على مستوى السياسات، لتعزيز تدويل التعليم العالي؛ وتحسين جودة التعليم المفتوح والتعليم عن بعد ؛ وتعزيز مشاركة الفئات الممثلة تمثيلاً ناقصاً، والقضاء على الفجوات بين الجنسين، وبين الفئات الاجتماعية، والإقليمية في مخرجات التعليم.

إعلان سياسة تعليم عالٍ للعقود القادمة
تعد سياسة التعليم الوطني الجديدة المقترحة الأولى من نوعها في الهند منذ ثلاثة عقود، حيث حدثت تغيرات هائلة في التركيبة السكانية للبلاد إضافة إلى ظهور تقانات جديدة، وإلى ظهور الثورة الصناعية الرابعة، ما أدى إلى تغيير بيئة العمل والحاجة إلى مهارات جديدة.
وقال أحد مسؤولي التعليم العالي في الهند: «ستكون هذه السياسة هي السياسة المتبعة للسنوات العشرين إلى الثلاثين القادمة»، مشيراً إلى الحاجة لزيادة الوصول access إلى الجامعة وتحسين مهاراتها في عصر التكنولوجيا الجديد.
وتنص وثيقة سياسة التعليم الوطني (NEP) على أنه ينبغي أن يبني التعليم الخبرة التي سيحتاجها المجتمع على مدى السنوات الخمس والعشرين القادمة وما بعدها. وليس مجرد إعداد الأشخاص لوظائف ومهام موجودة اليوم، فمن المرجح أن تتغير هذه المهام والوظائف أو تختفي خلال بضع سنوات، الأمر الذي سيؤدي إلى نتائج عكسية.
ومن متطلبات العمل المستقبلية «التفكير النقدي critical thinking، والتواصل communication، وحل المشكلات problem solving، ، والإبداع creativity، والقدرات المتعددة الاختصاصات multidisciplinary capability. ومن المحتمل أن تصبح الأعمال التي تتطلّب مهارة أحادية وحقل معرفة أحادياً، أعمالاً مؤتمتة مع مرور الوقت.
وتنص المقترحات على أن الهند «يجب أن تأخذ زمام المبادرة» في إعداد المهنيين في المجالات المتطورة مثل الذكاء الصنعي والتعلم الآلي artificial intelligence and machine learning، وتصنيع الآلات ثلاثية الأبعاد 3-D machining، وتحليل البيانات الضخمة big data analysis وغيرها من المجالات كالتعليم التقني، والدراسات الجينومية genomic studies، والتكنولوجيا الحيوية biotechnology، وتكنولوجيا النانو nanotechnology وعلم الأعصاب neuroscience.
كما ينبغي دمج هذه العلوم وغيرها من العلوم الحديثة في التعليم الجامعي، بدعم من أكاديميات العلوم الوطنية الثلاثة في البلاد والأكاديمية الوطنية للهندسة لوضع مناهج مناسبة.

دفعة جديدة في البحث العلمي في قطاع التعليم العالي
تركِّز السياسة التعليمية الوطنية الجديدة في الهند على الدراسات العليا والدكتوراه وتعطيها دفعة كبيرة لتحسين بيئة البحث العلمي في الجامعات. فهي تنص على أنه سيكون لدرجة الماجستير أيضاً مكون بحثي قوي لتعزيز الكفاءة الاحترافية المناسبة في مجال البحث، وإعداد الطلاب جيداً للحصول على درجة بحثية، أي شهادة الدكتوراه. وتقر صراحة بأن أكبر الثغرات في نظام التعليم الحالي هو عدم وجود اتجاه متماسك لتخطيط وتنفيذ البحوث العلمية على المستوى الجامعي.
تقترح الدراسة للمرة الأولى فكرة إنشاء مؤسسة وطنية جديدة للبحوث National Research Foundation (NRF) للتركيز على تمويل البحوث العلمية في نظام التعليم العالي وتشجيع البحث العلمي من خلال آليات تمويل أفضل. وتنص صراحة على أنه سيُمنح تمويل تنافسي للمقترحات البحثية المتميزة في جميع التخصصات، على النحو الذي يحدده تقييم النظراء peer review وجودة المشاريع البحثية المقترحة.
وستشمل المؤسسة الوطنية للبحوث العلمية المجالات الأربعة العريضة للعلوم، والتكنولوجيا، والعلوم الاجتماعية، والفنون والعلوم الإنسانية. إلى جانب تعزيز الدعم الضعيف في الوقت الحالي الذي تتلقاه مواضيع مثل العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية، ستوجد المؤسسة الوطنية للأبحاث أيضاً ترابطاً بين مختلف المساعي البحثية ذات الطابع المتعدد التخصصات؛ كما ستعمل كحلقة وصل بين الباحثين من جهة ومختلف الوزارات والصناعة من جهة أخرى، من أجل ضمان وصول البحوث الأكثر أهمية والمفيدة اجتماعيًا إلى الناس في أسرع وقت ممكن؛ ومن مهامها تعزيز الروابط بين الجامعات ونظرائهم على المستوى العالمي أيضاً؛ ومهمتها الأهم هي زرع البحوث وتيسيرها في المؤسسات التي يكون فيها البحث العلمي محدودًا للغاية، والتشجيع على تقديم منح دراسية للطلاب الدوليين الموهوبين من البلدان النامية.

خطة نضجت على مدى سنوات وفق مبدأ التشاركية
وتظهر في مسودة الوثيقة تدابير جديدة لتشجيع عولمة التعليم العالي، وتشجيع الجودة، والتعليم المفتوح والتعليم عن بعد، واستيعاب التكنولوجيا على جميع مستويات التعليم، وإجراءات لتحسين مشاركة الفئات الممثلة تمثيلاً ناقصاً.
كانت سياسة التعليم الوطنية الجديدة جزءًا من بيان حزب بهاراتيا جاناتا للانتخابات العامة لعام 2014 التي أوصلت مودي إلى السلطة، مع تحديد موعد التسليم الأصلي في نهاية عام 2017، ولكن تم تأجيل الصياغة عدة مرات لتشمل المزيد من المشاورات مع أصحاب المصلحة. وقبيل تشكيل لجنة الصياغة في عام 2017، بدأت الوزارة أولاً، في عام 2016، بإجراء عملية تشاور تعاونية غير مسبوقة، متعددة أصحاب المصلحة multi-stakeholder، متعددة الجوانب multi-pronged، من أسفل إلى أعلى bottom-up، تركز على الناس people-centric، شاملة وتشاركية. إن المشاورات المكثفة التي أجريت مع القواعد الشعبية، بما في ذلك القرى والمقاطعات والولايات وكذلك على المستوى الوطني، أتاحت فرصة لكل مواطن للمشاركة في هذه الممارسة الجماعية، ما أدى إلى تقرير عام 2016 الذي وضع بمتناول اللجنة المشكلة للصياغة في عام 2017.
اشتملت سياسة التعليم الوطنية مقترحات أخرى غطّت الكثير من الجوانب والقطاعات: فقد نصّت، على المستوى الجامعي، إعادة هيكلة البرامج الجامعية بما في ذلك إعادة تقديم شهادات لمدة أربع سنوات إلى جانب برامج لمدة ثلاث سنوات، مع «نقاط دخول وخروج متعددة». وسيوفر البرنامج الذي يمتد لأربع سنوات مزيداً من الدقة ويسمح للطلاب بإجراء بحث علمي اختياري.
وعلى مستوى الدراسات العليا، نصّت على أن يتم تعزيز مستويات الماجستير والدكتوراه من خلال إحداث ثلاثة مسارات على الأقل للحصول على درجة الماجستير – درجة مدتها سنة واحدة، ودرجة مدتها سنتان، إضافة إلى درجتي الماجستير والدكتوراه المدمجتين ومدتهما خمس سنوات.
وعلى صعيد تأهيل المعلمين وتدريبهم، ركّزت وثيقة سياسة التعليم الوطنية تركيزاً خاصاً على تدريب المعلمين، معتبرة أن تعليم المعلمين كان محاصرًا بالرداءة والفساد المستشري بسبب التسويق التجاري. وقد أوصت بإغلاق مؤسسات إعداد المعلمين التي لا ترتقي بأدائها إلى المستوى المطلوب. وأوكلت إلى أقسام وكليات التربية في الجامعات، إضافة إلى التدريس، مسؤولية تعزيز وتطوير مساحات للبحث العلمي والابتكار في التعليم.
وعلى صعيد التعليم المهني، تنص وثيقة سياسة التعليم الوطنية على وجوب تعزيز الدراسات العليا التأهيلية في المجالات المهنية بشكل كبير، وأنّه ينبغي للمنهج المتبع أن تعزّز هذه البرامج التأهيلية اكتساب الطلاب المعرفة والمهارات والثقة بالنفس والتدرب على ريادة الأعمال، ليتمكنوا من المساهمة في الإنتاجية الاجتماعية والوطنية.
وعلى صعيد معالجة النقص في أعضاء هيئة التدريس، تسعى الوثيقة إلى تشجيع الجامعات والمؤسسات على اتخاذ تدابير لجذب أعضاء هيئة التدريس والمحافظة عليهم ؛ كما تؤكد ضرورة التواصل مع المؤسسات الأخرى في المنطقة المجاورة لتبادل المدرّسين، ودعوة أعضاء هيئة التدريس الزائرين من العلماء، أو الأساتذة، أو الخبراء البارزين في المجالات كافة؛ وتدفع باتجاه تأمين المساعدة التعليمية لطلاب الدكتوراه، والاستفادة من المواهب في القطاع الخاص، ودعوة الباحثين في الخارج.
كما شجّعت الوثيقة الوطنية على افتتاح فروع للجامعات الأجنبية في الهند، عبر إطار تشريعي جديد يسمح بدخول الجامعات الدولية التي هي من بين أفضل مئتي جامعة في العالم والعمل في الهند، ويتوقف ذلك على مدى مراعاة هذه الجامعات للمعايير التنظيمية والحوكمة والمحتوى المطبقة على الجامعات الهندية.
ونصّت الوثيقة على إحداث مركز مشترك للتعليم الدولي بين الجامعات Inter-University Centre for International Education IUCIE إلى جانب مركز تعليم دولي ضمن جامعات هندية مختارة، لدعم تدويل التعليم العالي في الجامعات، مع توفير كل متطلبات هذا الإحداث.
وفيما يتعلق بعمليات التبادل البحثي، ستوفر المؤسسة الوطنية للبحوث العلمية دعمًا ماليًا للحركة ثنائية الاتجاه لطلاب البحوث الموهوبين، وللباحثين في مرحلة ما بعد الدكتوراه post-doctoral fellows، وذلك كجزء من تمويل المشاريع البحثية المشتركة، وتقديم الخدمات والدعم للطلاب الدوليين بالعمل مع مركز التعليم الدولي المشترك بين الجامعات المقترح.
كما دعت الوثيقة وزارة التعليم إلى إعادة التركيز على التعليم والتعلم، وضرورة إعادة تسمية وزارة تنمية الموارد البشرية لتصبح وزارة التعليم.
وقد نشِرت السياسة على العموم للحصول على ردود الأفعال والتعليقات، وذلك لمدة شهر اعتباراً من الأول من حزيران، وستعرض على مجلس الوزراء في شهر تموز القادم للحصول على الموافقة النهائية عليها.
إن أي سياسة لإعادة هيكلة التعليم الوطني ينبغي أن تسعى إلى إصلاح شامل للتعليم العالي، وأن تطرح أفكاراً جديدة شجاعة، وأن تقدم مقترحات جريئة لجعل الجامعات والكليات أقطاباً للبحث العلمي hubs of research وحاضنات للتميّز. لكن هذه السياسة ينبغي أن تكون متكاملة لتشمل أيضاً التعليم ما قبل الجامعي، فبناء القدرات البشرية لايمكن أن يقتصر على التعليم الجامعي، بل هو سلسلة متكاملة تبدأ من السنوات التعليمية الأولى.
إن إمعان النظر في الخطة الوطنية لتطوير التعليم العالي في الهند وما تضمّنته من مقترحات، وخاصة تلك المتعلقة بإحداث مؤسسة وطنية جديدة للبحوث National Research Foundation (NRF) يؤكِّد التوجّه العام لتلك الخطة في إيلاء الأهمية القصوى للبحث العلمي الجامعي الموظّف توظيفاً تنموياً سليماً، وذلك من خلال التركيز على تمويل البحوث العلمية في نظام التعليم العالي وإيجاد آليات تمويل أفضل تشجيعاً له، ومنح تمويل تنافسي للمقترحات البحثية المتميزة في جميع التخصصات على النحو الذي يحدده تقييم النظراء peer review وبناء على جودة المشاريع البحثية المقترحة.
والجدير بالذكر أن إحداث الهيئة العليا للبحث العلمي في سورية قبل نحو عشر سنوات يصبّ في المجال نفسه. لكن الإحداث وحده لا يكفي، إذ على هذه الهيئة الاضطلاع بالمهام الموكلة إليها بقانون إحداثها، وعلى الدولة تأمين جميع مستلزمات تأديتها لتلك المهام، ومن ثم محاسبتها بناء على ما أنجزته لكونها صلة وصل بين الباحثين والمراكز البحثية من جهة، ومؤسسات الدولة ووزاراتها والقطاع الصناعي من جهة أخرى، وعملها على تعزيز الروابط بين الجامعات ونظيراتها من مراكز بحوث ودراسات على المستوى الوطني، وتنشيط البحوث وتيسيرها في المؤسسات التي يكون فيها البحث العلمي محدودًا للغاية، والتشجيع على تقديم منح دراسية للطلاب الموهوبين للإفادة من أفكارهم وتوظيفها بالطريقة الصحيحة.
ومن جهة أخرى، فإن توصية وثيقة السياسة التعليمية الوطنية (NEP) بإنشاء هيئة وطنية لتنظيم التعليم العالي على اعتبارها الجهة المنظمة الوحيدة للتعليم العالي في الهند تذكرنا بمجلس التعليم العالي في سورية على اعتباره الجهة المنظمة الوحيدة للتعليم العالي العام والخاص. لكن المهام الكثيرة الجانبية والتفصيلية باتت تثقل كاهل هذه المجلس وتبعده عن مهمته الأساسية في رسم الخطط التطويرية الإستراتيجية للتعليم والتعلم، والبحث العلمي، والتأهيل المهني، ومتابعة حسن تطبيقها، وهو تحديدا ما ينبغي أن يقيَّم على أساسه أداء الجامعات.
ولعل إحداث هيئة وطنية لضمان الجودة والاعتماد يكون من مهامها تقييم أداء المؤسسات التعليمية وبرامجها الأكاديمية، ومدى ارتباط مناهجها وبرامجها ونشاطاتها الأكاديمية وحاجات التنمية الشاملة، ومدى تلبية مخرجاتها للاحتياجات التنموية المستقبلية، من شأنه أن يكون رافداً قوياً لمجلس التعليم العالي، ويخفف عنه الكثير من الأعباء كي يتفرغ لمهمته الأساسية وهي رسم السياسات الإستراتيجية والتنظيمية للتعليم العالي بكل أشكاله وأنماطه، والسهر على حسن تطبيق تلك السياسات.

التعليم العالي في البرنامج الوطني لسورية في ما بعد الحرب
يشير البرنامج الوطني لسورية في ما بعد الحرب – الرؤى الكلية والقطاعية، والإطار التنفيذي البرامجي الذي أعدته هيئة التخطيط والتعاون الدولي، والذي يهدف إلى وضع خطة إستراتيجية لسورية لمرحلة ما بعد الأزمة تهدف إلى معاجلة آثار الأزمة واستعادة مسارات التنمية، ويشير إلى أن قطاعي التعليم والتعليم العالي قد أوليا الأهمية اللازمة. فقد ورد في سياسات التعليم والتكوين الثقافي من المحور الثقافي والاجتماعي في مقترحات السياسات الإرشادية العديد من المقترحات التطويرية لقطاعي التعليم والتعليم العالي، «كتوفير الموارد البشرية للتعليم العالي وتحسين نوعيتها وجذب الكفاءات»، و«تطوير البيئة التشريعية والتنظيمية للتعليم العالي»، و«تطوير أسس القبول الجامعي»، و«إحداث أنماط جديدية من التعليم تعزز رفع المستوى التعليمي من ناحيتي الكم والنوع»، و«تحسين نوعية التعليم العالي وتطوير المناهج ووسائل وأدوات التعليم»، و«ربط مخرجات التعليم العالي باحتياجات سوق العمل»، و«ربط البحث العلمي باحتياجات القطاعات الاقتصادية والاجتماعية»، و«تشجيع البحث العلمي وتحفيز القطاع الخاص للمساهمة في أبحاث التطوير القطاعية» و«تعزيز التشاركية بين القطاعين العام والخاص في تطوير المناهج التعليمية والمهنية والتطبيق العملي المهني والتقني». إن تحويل هذه المقترحات الإرشادية إلى خطط عمل واضحة وبرامج تنفيذية محددة، ومتابعة حسن تطبيقها، يشكل التحدي الأكبر أمام منظومة التعليم العالي في المرحلة القادمة.
من المفيد جداً الاطلاع على تجارب الدول الأخرى، لا لنسخها بل لدراستها وتحليلها والاستفادة منها، وخاصة تلك التجارب الخاصة بالدول التي كانت تعاني من فجوة في مؤشراتها التنموية المختلفة مقارنة بالدول الأخرى، ثم استطاعت ردم هذه الفجوة. لقد أبهرت الهند العالم في السنوات الماضية بفعل معدلات النمو العالية التي حققتها والسياسات الاقتصادية الناجحة التي اتبعتها والتي ساهمت في نقل الاقتصاد الهندي إلى سابع أكبر اقتصاد في العالم. من هذا المنطلق، تعد التجربة الهندية من أهم التجارب الجديرة بالدراسة والتحليل.

اقرأ أيضا ...
هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
ملاحظة : جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا علاقة لموقع دام برس الإخباري بمحتواها
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
*
   
Copyright © dampress.net - All rights reserved 2019
Powered by Ten-neT.biz